Cosmic Egg vs. Big Bang.

ما هو الكون Universe؟

إذا أرَدْنا إجابة، تَعْدِل، أو تشبه، “التعريف”، أي أنْ نُعرِّف فيها هذا “الشيء” الذي نسمِّيه “الكون”، فإنَّنا سنتورَّط في مشكلة نظرية ومعرفية كبيرة، هي “مشكلة التعريف”؛ ذلك لأنَّ تعريف “التعريف” هو أنْ نَنْسِب الضيِّق (من الأشياء والظواهر..) إلى الواسع، والواسع إلى الأوسع، فأنتَ حين تُعرِّف “الأوكسجين” تقول إنَّه “غاز..”؛ وحين تُعرِّف “البرتقالة” تقول إنَّها “فاكهةٌ..”؛ وحين تُعرِّف “الكلب” تقول إنَّه “حيوانٌ..”. وإذا كان كل أوكسجين غاز فليس كل غاز أوكسجين؛ وإذا كانت كل برتقالة فاكهة فليس كل فاكهة برتقالة؛ وإذا كان كل كلب حيوان فليس كل حيوان كلب.

إنَّكَ يكفي أنْ تقول في تعريف “الكلب”، مثلاً، إنَّه “حيوان..”، وأنْ تدْرِكَ، من ثمَّ، أنَّ كَوْن كل كلب حيوان لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كل حيوان كلب، حتى تَكْتَشِف جوهر وقوام العلاقة المنطقية بين الطرفين، أي بين “الكلب” و”الحيوان”، أو بين “الخاص (أو الفَرْد)” وبين “العام” من الأشياء.

وأنتَ قبل (وتوصُّلاً إلى) تعريف “البرتقالة”، مثلاً، على أنَّها “فاكهةٌ..”، أي قبل أن تستهلَّ تعريف “البرتقالة” بعبارة “إنَّها فاكهة”، لا بدَّ لكَ من أنْ تَعْقِد “مقارنة” بين “البرتقالة” وبين أنواع أخرى من الفاكهة (كالعنب والموز). وعقد “المقارنة” إنَّما هو البحث في أوجه التماثُل (التشابه) والاختلاف (التباين) بين شيئين، أو أكثر.

وبَعْد “المقارنة”، لا بدَّ لكَ من الانتقال إلى “عملية التجريد (النظري أو المعرفي)”، فلا “تعريفَ” لشيءٍ إلاَّ عَبْر، وبَعْد، “التجريد”؛ فأنتَ لن تُعَرِّف “البرتقالة” إلاَّ بَعْد أن تُنحِّي أوجه الاختلاف والتباين بينها وبين العنب والموز..

ومع احتفاظِكَ بأوجه التماثل، أو التشابه، بينها وبين العنب والموز..، تتوصَّل إلى “التعريف”، أي إلى تعريف “البرتقالة” على أنَّها “فاكهةٌ..”.

إنَّ تعريف الشيء، أي شيء، يَسْتَلْزِم أوَّلاً مقارنته بأشياء، بينه وبينها أوجه تماثُل (تتَّحِد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع أوجه الاختلاف). وليس من شيء في الكون، مهما كَبُرَ أو صَغُرَ، لا تقوم بينه وبين سائر الأشياء تلك العلاقة المتناقضة، أي علاقة “التماثُل” و”الاختلاف”، في الخواص والصفات..

ونحن إذا نَظْرنا إلى كَوْننا على أنَّه “شيءٌ”، فلا بدَّ لنا، إذا ما أرَدْنا “تعريفه”، من أن نقارنه أوَّلاً بـ “أكوان أخرى”، أي بأشياء من جنسه، كما قارنَّا “البرتقالة” بأنواع أخرى من الفاكهة؛ فأين هي الأكوان الأخرى، إذا ما افْتَرَضْنا أنْ لا كَوْن إلاَّ كوننا، أو إذا ما افْتَرَضْنا أنَّنا، ولأسباب موضوعية صرف، لن نتمكَّن أبداً من إدراك وجود كون آخر (أو أكوان أخرى) مع أنَّه موجود فعلاً، أو يمكن أن يكون موجوداً بالفعل؟!

على أنَّ هذا الذي قُلْنا في أمْر “التعريف” لَمْ يَحُلْ بين القائلين بنظرية “الانفجار الكبير” Big Bang وبين أنْ يُعرِّفوا الكون (تعريفاً مُخْتَصَراً، وفي كلام جامع مانع) على أنَّه “كلُّ شيء (نَعْرِف، أو يمكن أنْ نَعْرِف)”.

التوسُّع في رؤية الكون

الإنسان، وبـ “عينه المجرَّدة”، نَظَر إلى الكون، وظلَّ يَنْظُر إليه زمناً طويلاً؛ وها نحن اليوم نَعْرِف ونُدْرِك أنَّنا لا نستطيع التوسُّع في رؤية الكون من غير “أداة”، يمكن تسميتها “العين الاصطناعية”، التي إمَّا أن تكون “التليسكوب”، الذي بفضله نرى المجرَّات والنجوم وسائر الأجسام البعيدة؛ وإمَّا أن تكون “الميكروسكوب”، أو “المجهر”، الذي بفضله نرى ما تناهى (أو بعضاً مِمَّا تناهى) في الصِغَر من الكون، كالجزيئات والذرَّات. ولكن، يجب أن نَعْلَم أنَّ “التليسكوب”، أو “الميكروسكوب”، هو كـ “المرآة”، لا تُرينا إلاَّ ما نُريها (من الأشياء).

نحن البشر نعيش على سطح جسم كوني، عُمْره خمسة بلايين سنة، أي 5000 مليون سنة، هو “كوكب الأرض”، الذي يدور حَوْل نفسه، أو حَوْل محوره، مرَّة واحدة يومياً؛ ويدور، في الوقت نفسه، حَوْل نجمنا، أي الشمس، مرَّة واحدة سنوياً.

وعندما ننظر في السماء، ليلاً، نرى كواكب أخرى كالمريخ، والزهرة، والمشتري، وزحل، تنتمي جميعاً إلى النظام ذاته الذي ينتمي إليه كوكب الأرض، وهو “النظام الشمسي” Solar System، الذي يتَّخِذ من الشمس مركزاً له.

ولو جئنا بميزان كوني ضخم، وَوَضَعْنا في إحدى كفَّتيه كل كواكب النظام الشمسي، وفي الكفَّة الأخرى، الشمس، لَرَأيْنا أنَّ وزن الكواكب جميعاً يقل عن 1 في المائة من وزن الشمس، التي، مع كواكبها، تَعْدِلُ قطرة في بحر نظام كوني أوسع هو مجرَّتنا، مجرَّة “درب التبَّانة” Milky Way، فهذه المجرَّة، أو “الجزيرة الكونية”، تضمُّ آلاف الملايين من النجوم، أو الشموس، التي كثيرٌ منها أعظم حجماً، وكتلةً، من شمسنا، وبكثير؛ وكل نجم نراه ليلاً إنَّما هو جزء من مجرَّتنا. ولقد أكَّدت الأبحاث الحديثة أنَّ نجوم مجرَّتنا جميعاً متَّصِلة، متَّحِدة، جاذبياً، وتدور حَوْل مركزٍ بعيد.

وتضمُّ مجرَّتنا كميات هائلة من الغبار والغاز، مبعثرة بين النجوم. وهذه المادة المنتشرة بين النجوم، في مجرَّتنا، تعترض سبيل الضوء المرئي المنطلق من نجومها البعيدة (عن كرتنا الأرضية) فلا يتمكَّن، بالتالي، المراقبون في الأرض من أن يروا في تفصيل ووضوح الأجزاء البعيدة من “درب التبانة”. أمَّا نواة مجرَّتنا فما زالت حتى الآن منطقة يكتنفها الغموض، تَحْجِبها عن الرؤية سُحُب داكنة مُظْلمة من الغبار بين النجوم.

شمسنا إنَّما هي نجم متوسط الكتلة والحجم من بين 100 بليون (100000 مليون) نجم (تقريباً) تضمها مجرَّتنا (مجرَّة “درب التبانة”). ويبعد هذا النجم،أي نجمنا، عن مركز مجرَّتنا نحو 24 ألف سنة ضوئية. ومعظم النجوم التي نراها بالعين المجرَّدة تبعد عنَّا ما بين 10 سنوات ضوئية و 100 سنة ضوئية.

أمَّا المجرَّة الأقرب إلينا، وهي “آندروميدا” Andromeda فتبعد عنَّا 3 ملايين سنة ضوئية، أي أنَّنا نراها الآن في الحال، أو الهيئة، أو الصورة، التي كانت عليها قبل 3 ملايين سنة.

وحتى وقت ليس بالبعيد كان بعض الفلكيين يعتقدون بأنَّ مجرَّتنا هي الكون كله، وبأنَّ مركزها هو نفسه مركز الكون.

ونتوسَّع في رؤية الكون أكثر، فنَجِد أنَّ مجرَّتنا هي جزء من نظام كوني أوسع وأكبر هو “عنقود Cluster (تجمُّع، جماعة، طائفة، مجموعة، تكتُّل، اتِّحاد) المجرَّات”، الذي يضمُّ مجرَّات كثيرة. وليس في وسعنا، حتى الآن، أنْ نَعْرِف عدد “عناقيد المجرَّات” في الكون المرئي، أي الكون الذي نستطيع رؤيته (أو إدراك وجوده) الآن.

في الكون، لا وجود لنجم مُنْعَزِل، أي غير مُنْتَمٍ إلى مجرَّة ما، يهيم على وجهه في الفضاء؛ كذلك لا وجود لمجرَّة مُنْعَزِلة، فكل مجرَّة إنَّما هي فَرْدٌ من جماعة، أو طائفة، أو مجموعة، من المجرَّات. وتختلف “مجموعات المجرَّات” حجماً وكتلةً وشكلاً؛ وكل “مجموعة” تشتمل أيضاً على كل مادة تنتشر في الفضاء بين مجرَّاتها، كمادة الغاز الحار، الذي لحرارته العالية يُطْلِق “أشعة سينية” X – Rays بدلاً من الضوء المرئي.

و”القوَّة (أو “الصمغ”)” التي تبقي “مجموعة المجرَّات” متماسكة، متَّحِدة، إنَّما هي “الجاذبية الداخلية”، أو “الجذب المتبادل” بين مجرَّات ومكوِّنات وعناصر “المجموعة”.

ومعظم المادة في “مجموعة المجرَّات” هو مادة غير ظاهرة، غير مرئية (= مادة داكنة أو مُظْلِمة) Dark Matter. ولَمَّا كانت “مجموعة المجرَّات” هي التكوين (البناء، البُنْية) الأوسع والأضخم والأثقل في الكون، والمتَّحِد جاذبياً، استنتج العلماء أنَّ معظم المادة في الكون كله يجب أن يكون مادة غير ظاهرة، غير مرئية، أي “مادة داكنة (أو مُظْلِمة)”. هذه المادة، التي ما زال وجودها نظرياً وافتراضياً، حتى الآن، وإلى حدٍّ كبير، لا ترى؛ ولكن يمكن الاستدلال على وجودها من خلال “تأثيرها الجاذبيِّ” في ما حَوْلها من أشياء وأجسام.

في الكون، نرى كواكب تدور حَوْل نجم (ينتمي، حتماً، إلى مجرَّة). ونرى نجوماً تدور (وكأنَّها في رقص بطيء) حَوْل مَرْكَز مجرَّة (تنتمي، حتماً، إلى مجموعة مستقلة من المجرَّات). ونرى كل “مجموعة (Cluster) من المجرَّات” وكأنَّها في رحلة عبر “فضاءٍ فارِغٍ خالٍ في منتهى الاتِّساع”. إنَّها لا تتحرَّك، ولا تنتقل، “في”، أو “عَبْر”، الفضاء؛ ولكنَّها تبدو لنا كذلك، فالفضاء نفسه هو الذي يتمدَّد، فتتَّسِع المسافة بين كل “مجموعة” وسائر “المجموعات”، التي بعضها في منتهى الكِبَر والضخامة Super Cluster.

البيضة الكونية

إذا كنتَ مِمَّن يعتقدون بـ “نظرية الانفجار الكبير” فإنَّ عليكَ أن تَعْتَقِد بالآتي: هذا الكون، بكل ما يشتمل عليه من “عناقيد المجرَّات”، كان قبل نحو 15 أو 18 أو 20 بليون سنة في حجمٍ أصغر كثيراً من حجم نواة ذرَّة، أو من حجم البروتون؛ ومع ذلك كان في “الثقل” نفسه، أي أنَّ كل “كتلة” و”طاقة” الكون كانت مركَّزة (مُكَثَّفَة، مضغوطة) في حيِّزٍ متناهٍ في الصِغَر والضآلة، يمكن أن نسميه “البيضة الكونية”. ولقد “انفجرت” هذه “البيضة”، فشرع حجم الكون هذا يتَّسِع ويكبر حتى أصبح الكون في حجمه الذي نراه اليوم. وما زال الكون في تمدُّد مستمر (ومتزايد).

في البدء، وبحسب نظرية “الانفجار الكبير” Big Bang، لم يكن من “وجود” إلاَّ لشيء واحد فحسب هو “البيضة الكونية” Cosmic Egg؛ ثمَّ كان “الانفجار الكبير” Big Bang.

إنَّه انفجار عظيم، ليس كمثله انفجار، فذاك “الشيء”، الذي هو، أيضاً، ليس كمثله شيء، والذي يسمِّيه بعض القائلين بتلك النظرية “البيضة الكونية”، “انفجر”، فَوُلِدَ من “انفجاره” كل شيء.

“شيءٌ” ليس كمثله شيء، “انفجر” انفجاراً ليس كمثله انفجار، فنشأ “كل شيء (نَعْرِف، أو يمكن أنْ نَعْرِف)”.

ولكن، ما هو ذلك “الشيء”، أي “البيضة الكونية”، الذي منه جاء، أو انبثق، أو وُلِد، أو نشأ، الكون الذي نَعْرِف، قبل نحو 15 أو 18 أو 20 بليون سنة؟

في الإنكليزية، يسمُّونه “Singularity”؛ ومن المعاني اللغوية لهذا الكلمة: مُتَفَرِّد، فريد، مُنْفَرِد، فَرْد، مُفْرَد.

والـ “سينغيولاريتي”، أو “النقطة المتناهية في الصِغَر”، أو “النواة المتفرِّدة”، أو “البيضة الكونية”، أو “الذرَّة الأوِّلية (أو البدائية)”، أو “البذرة”، أو “الحَبَّة”، هي “شيء نسيج وحده (لا مثيل له)”.

وإذا كان للكون “نواته”، فإنَّ “الانفجار الكبير” يمكن وصفه بأنَّه “فالِق النواة”، أي “نواة الكون المتفرِّدة”. ولْنَتَذَكَّر، في هذا الصدد، وجود “نواة” في أشياء أخرى كـ “الذرَّة”، و”النجم”، و”المجرَّة”، و”الثقب الأسود” Black Hole.

وإنِّي لأُفضِّل الـ “فَرْد” تسميةً لذلك “الشيء”، الذي “تَعْجَز” الفيزياء عن وصفه، أو عن معرفة ماهيته، فـ “الفَرْد” هو الذي لا نظير له، ولا مثل، ولا ثاني؛ وهو في “صفات الله”، “الواحد الأحد”.

تلك “النقطة (Singularity)”، التي منها جاء الكون، كانت في “حجمٍ”، إذا ما قُلْنا بوجود “حجمٍ” لها، يقلُّ كثيراً، وكثيراً جدَّاً، عن حجم “البروتون”؛ ومع ذلك كانت بـ “وزن” الكون كله، ففيها تركَّزت كل مادة الكون، أي كل كتلته وطاقته؛ وهي، بـ “معيار الكثافة”، النقطة ذات “الكثافة المطلقة”. إنَّها اجتماع “الحجم الصفري (أو المعدوم)” و”الكثافة المطلقة”.

أنتَ تَعْلَم أنَّ “الكثافة” هي مُنْتَج لعلاقة بين “الكتلة” و”الحجم” في شيء معيَّن، فكلَّما زادت “كتلة” شيء ما، وتضاءل “حجمه”، اشتدت “كثافته”، فإذا ألْغَيْتَ “حجمه” إلغاءً مُطْلَقاً، كأنْ تقول إنَّه “صفري”، أو “معدوم” الحجم، فهذا إنَّما يعني (على استحالة حدوث ذلك على ما أرى) أنَّ “كثافته” تغدو “مُطْلَقة (لا نهائية)”، مهما عَظُمَت، أو صَغُرَت، “كتلته”.

من أين جاءت تلك “النقطة”؟

مِمَّ تتألَّف أو تتكوَّن؟

ما هي خواصها؟

ما “القوانين الفيزيائية” التي عملت فيها إذا ما كان من وجود لتلك القوانين؟

كل هذه الأسئلة، وغيرها، لا إجابات عنها، لا في نظرية “الانفجار الكبير”، ولا لدى مؤسِّسيها، ومطوِّريها، وأنصارها، والقائلين بها، فهذه “النقطة” إنَّما هي الشيء الذي لا يمكن أبداً معرفة ماهيته، فـ “الكون”، الذي هو، في مُخْتَصَر تعريفهم له، “كل شيء”، لم يُوْلَد، وينشأ، إلاَّ بَعْد، وبفضل، “الانفجار الكبير” Big Bang، الذي هو في منزلة “الخالِق الجديد”، الذي مِنْ نَسْج “الميتافيزياء” كان، فأصبح (عَبْر نظرية “الانفجار الكبير”) مِنْ نَسْج “الفيزياء”، أي مِنْ نَسْجِ “فيزياء” عاثت فيها “الميتافيزياء” فساداً، حتى غدت سنداً “عِلْمياً” لـ “قصة الخلق التوراتية” للكون، والتي منها اسْتُنْسِخَت قصص خَلْق دينية أخرى.

هذا “الانفجار”، الذي هو، أيضاً، ليس كمثله انفجار، هو الذي خَلَقَ “كل شيء”؛ لقد خَلَقَ “الزمان” و”المكان” و”الفضاء” وسائر الأشياء.

ولكن، ما معنى قولهم إنَّ “الانفجار الكبير” Big Bang هو الذي “خلق كل شيء”؟

معناه الذي لا يحتاج إلى شرح وتوضيح هو أنَّ هذا “الانفجار” هو “القوَّة (الأحجية في ماهيتها)” التي أخْرَجَت الكون (بكل ما فيه) من “العدم” Nothingness إلى “الوجود” Existence. إنَّ معناه هو أنَّ “كل شيء” نراه في كوننا لم يكن له من وجود في تلك “النقطة”، أو الـ “سينغيولاريتي” Singularity.

في “البدء”، أي “قَبْل” خَلْق الزمان، كانت “البيضة الكونية”..

ومِنْ هذه “المسلَّمة”، يبدأ وينطلق التصوُّر الكوزمولوجي الذي جاءت به نظرية “الانفجار الكبير”.

وهذه “المسلَّمة” هي “المجهول الأعظم”، الذي تخطته “النظرية”، وقفزت عنه، لتؤسِّس، من ثمَّ، لكل هذا “المعلوم”، ولكل هذا “اليقين (الديني الطابع)”، فأصحاب نظرية “الانفجار الكبير”، أو “البانغيُّون”، يتحدَّثون، في دِقَّة وتفصيل، وكأنَّهم كانوا هناك، عن كل شيء، بدءاً من “الجزء الأوَّل من الثانية الأولى (بعد “الانفجار”) والتي تتألَّف من مليون جزء”.

أمَّا الأسئلة الكوزمولوجية والكونية الكبرى التي تُثيرها “فرضية (أو “مسلَّمة”) البيضة الكونية” فلا جواب عنها؛ فكل ما يعلمونه عِلْم اليقين هو أنَّها، أي “البيضة الكونية”، كانت موجودة هناك، “قبل” وقوع “الانفجار الكبير”.

من أين جاء هذا الكُلُّ من المادة والطاقة؟

من أين جاءت هذه “البيضة الكونية”.. أو كيف أصبحت موجودة هناك؟

ما الذي جعلها “تنفجر”.. أو ما الذي تسبَّب بـ “الانفجار الكبير”؟

كل هذه الأسئلة الكبرى، وغيرها، تبقى بلا جواب، فهذه “المعرفة” إنَّما هي “المعرفة المستحيلة” بحسب وجهة نظر أصحاب هذه النظرية وأنصارها، والذين يُحْيون فكرة “الشيء في ذاته” Thing-in-Itselfلكانط وهي رميم، فهذا الفيلسوف الألماني فَهِمَ الشيء، أي كل شيء، على أنَّه “جوهر” لا يمكننا أبداً معرفته وإدراكه، فالشيء “في جوهره” هو “المستحيل إدراكاً ومعرفةً”!

عندما يقع انفجار، أو أي حادث، يمكن، ويجب، أن نسأل: “أين ومتى وقع؟”. هذا “السؤال الزماني ـ المكاني”، أو “الزمكاني”، يجب ألاَّ يُسْأل، بحسب وجهة نظر القائلين بنظرية “الانفجار الكبير”، عند البحث في أمْرِ الانفجار الكوني؛ لأنَّه ليس بالسؤال السليم، بحسب منطق هذه النظرية، التي تفهم “لحظة” الانفجار على أنَّها لحظة خَلْقٍ للزمان والمكان.

وهذا إنَّما يعني أنَّ “الانفجار الكبير” هو الحادث الكوني الوحيد الذي حدث في غياب، أو في خارج، ظرفي الزمان والمكان. لقد حَدَث؛ ولكنَّه لم يَحْدُث في الزمان، ولا في المكان (أو الفضاء)!

قبل “الانفجار”

نظرية “الانفجار الكبير” شرحت، وعلَّلت، وفسَّرت، ووصفت، كل شيء حدث في الكون، بدءاً من لحظة “الانفجار”؛ ولكنَّها أحجمت، وامتنعت، عن عمد، عن التحدُّث، ولو بكلمات قليلة، عن الحال التي كان عليها الكون، أو “البيضة الكونية” Cosmic Egg، “عشيَّة”، أو “قُبَيْل”، هذا “الانفجار”، فـ “قَبْل” إنَّما هي “ظرف زمان”؛ وإذا كان الزمان نفسه لم يكن قد خُلِق بَعْد، فكيف يمكن، أو يجوز، التحدُّث عمَّا كان موجوداً “قَبْل” وقوع “الانفجار الكبير”؟!

هذا هو جواب أصحاب النظرية وأنصارها؛ ولو سألتهم “كيف يمكن أن يُوْجَد شيء قبل خَلْق الزمان؟”، فلا تستغرب وتدهش إذا ما أجابوك قائلين: “وهل من وجود لشيء قبل الانفجار؟!”.

وخلاصة قولهم، بالتالي، هي “لا وجود لأيِّ شيء إلاَّ إذا وُجِد الزمان، فإذا لم يُوْجَد الزمان فلا وجود، بالتالي، لأيِّ شيء”!

لقد أسَّسوا لنظريتهم “منطقاً”، بموجبه فَقَدَ السؤال “ماذا كان يُوْجَد قبل الانفجار؟” منطقه!

عندما يُسْأل أصحاب نظرية “الانفجار الكبير” عن وجود الزمن قبل “الانفجار”، يجيبون قائلين: إنَّنا لا نعرف الحالة التي كان عليها الكون عند “الانفجار”، أو قبله. إنَّ الإجابة عن هذا السؤال ليست ممكنة؛ لأن لا وجود للزمن حتى يصح استعمال كلمة “قَبْل”، فـ “قَبْل” إنَّما هي “ظرف زمان”، ولا وجود لـ “ظروف الزمان” ما دام الزمن نفسه غير موجود. إنَّ السؤال نفسه يصبح خاطئاً، وإنَّ من الخطأ، بالتالي، أن تسأله!

ماذا حدث “قبل” حدوث “الانفجار الكبير”؟

ماذا حدث في داخل “البيضة الكونية” قبل أن “تنفجر”؟

إنَّ كل “حادث”، في علم الفيزياء، يمكن ويجب فهمه، والنظر إليه، على أنَّه “تغيير”. إنَّه، أي “الحادث”، في حدِّ ذاته، “تغيير”، فحادث “تجمُّد مقدار من الماء” هو “تغيير”؛ لأنَّ الماء انتقل من حال إلى حال. لقد كان سائلاً، فأصبح صلباً. ولكن، هل كان ممكناً أن يقع هذا “الحادث”، أي تجمُّد الماء، لو لم يستوفِ “الشروط الفيزيائية” لوقوعه؟!

هل كان ممكناً أن يتجمَّد هذا المقدار من الماء السائل قبل أن تحدث في داخله تغييرات معيَّنة.. قبل أن تهبط درجة حرارته إلى حدٍّ معيَّن؟!

كلا، ليس ممكناً، فـ “الحادث”، كل حادث، إنَّما هو “تغيير”، أنْتَجته وولَّدته، بالضرورة، “تغييرات معيَّنة”؛ ولا وجود لأيِّ تغيير لم تسبقه، وتُمهِّد إليه، تغييرات معيَّنة. لا بدَّ، في اختصار، من “التغيير الذي يُحْدِثُ فَرْقاً”، أو من “الدرجة التي تُحْدِثُ فَرْقاً”.

و”الانفجار الكبير” إنَّما هو “حادث” لا يمكنه أن يشذَّ عن هذا “القانون الفيزيائي (الطبيعي) المُطْلَق”. وهذا إنَّما يعني أنَّ “تغييرات معيَّنة” قد اعترت “البيضة الكونية”، وحدثت في داخلها، قبل، وتوصُّلاً إلى، حدوث هذا “الانفجار”. لقد استوفى “الانفجار الكبير” شروط حدوثه، فحدث.

إذا نحن ظللنا واقفين على الأرض الصلبة للفيزياء، ولم نغادرها إلى “عالم الميتافيزياء”، فلا بدَّ لنا من أن نفهم “الانفجار الكبير” على أنَّه “نتيجة”؛ وليس من “نتيجة معدومة الأسباب”. وإذا نحن قلنا بحدوث، وبوجوب حدوث، “تغييرات معيَّنة”، في داخل “البيضة الكونية”، قبل، ومن أجل، أن “تنفجر”، فلا بدَّ، عندئذٍ، من القول بوجود، وبوجوب وجود، “الزمن” في تلك “البيضة”، فـ “الزمن” و”التغيير” صنوان. إنَّ نفي الزمن هو نفسه نفي التغيير؛ لأنَّ “الزمن” هو “التغيير”، وجوداً ومقياساً.

لو لم يحدث تغيير معيَّن مخصوص في داخل “البيضة الكونية” لما حدث “الانفجار الكبير”. حدوث هذا “الانفجار” هو في حدِّ ذاته خير دليل على أنَّ تغييرات معيَّنة قد حدثت في داخل “البيضة الكونية” من قبل؛ وحدوث هذه التغييرات هو خير دليل على وجود “الزمن” قبل “الانفجار الكبير”.

خَلْقُ “الانفجار الكبير” لـ “الفضاء” قادهم إلى القول بخلقه لـ “المادة” أيضاً، وفي اللحظة عينها، فالفضاء والمادة إنْ وُجِدا فيجب أن يُوْجدا معاً.

لقد قالوا أوَّلاً بخلق، وبوجوب خلق، “الانفجار الكبير” لـ “الفضاء”؛ ولكن، هل يمكن أن يُوْجَد فضاء إذا لم تكن “المادة” قد وُجِدَت، أو خُلِقَت، بعد؟

عن هذا السؤال أجابوا “كلاَّ، لا يمكن”، فكان “الحل” هو القول بخلق “الانفجار الكبير” لـ “الفضاء” و”المادة” معاً، أي في اللحظة عينها، فـ “الانفجار الكبير” هو، في معتقدهم، القوِّة المولِّدة للزمان والفضاء.. والمادة من رحم النقطة الكونية المتفرِّدة Singularity.

إنَّكَ يكفي أن تقول إنَّ “الزمن” قد خُلِق بـ “الانفجار الكبير” حتى لا تَجِدَ مهرباً من أن تقول، أيضاً، إنَّ هذا “الانفجار” هو الله؛ لأنَّ هذا “الانفجار” قد خَلَق “المادة كلها” من العدم، فليس من وجود للمادة إذا لم يكن من وجود للزمن.

القول بخلق الزمن إنَّما هو نفسه، لجهة المعنى، القول بخلق المادة، فإذا لم تخلق المادة من مادة قبلها، فهذا إنَّما يعني أنًَّها قد خلقت من العدم؛ وليس من “قوَّة” تخلق شيئاً من لا شيء سوى الله، في الدين، أي “الانفجار الكبير”، في الفيزياء، أو الكوزمولوجيا!

أنتَ لا تستطيع أن تسأل “ماذا كان يُوْجَد قبل الانفجار الكبير، أو قبل البيضة الكونية؟”؛ لأنَّ الزمن لم يكن قد خُلِق بَعْد؛ ولكنَّكَ تستطيع أن تسأل السؤال ذاته إذا ما كان جوابكَ هو الآتي: “كان يُوْجَد الله”!

لا تَقُلْ أبداً “إلى الأبد”، فالزمان نفسه، على ما يزعمون، ليس بالأبدي؛ وإنَّ له عُمْراً، فهو وُلِدَ، ولسوف يموت، مهما عَمَّر.

إنَّ من السُخْف بمكان أن تَسْتَعْمِل “ظروف الزمان” في سؤالكَ عن أشياء وأحداث وُجِدَت، أو وقعت، قبل خَلْق “الانفجار الكبير” لـ “الزمان”، كأن تسأل “ماذا كان يُوْجَد قبل هذا الانفجار؟”؛ ولكن ليس من السُخْف في شيء إذا ما سألْتَ السؤال السخيف الآتي: “كم عُمْر الزمان؟”!

ولو سألْتَ أحدهم عن عُمْر الزمان لأجابكَ على البديهة قائلاً: “الزمان هو الآن في طور الشباب. إنَّ عُمْره 18 بليون سنة”!

كل مادة إنَّما تُوْجَد من مادة موجودة من قبل؛ و”الفيزياء” إنَّما هي “القول بخلق المادة من مادة (قَبْلية)”؛ أمَّا “الميتافيزياء” فهي “القول بخلق المادة من العدم”، وإنْ ألْبَسَ أصحاب نظرية “الانفجار الكبير” قولهم هذا لبوس مفردات وعبارات فيزيائية.

http://www.doroob.com/archives/?p=29005

Sent iPadn Ť€©ћ№©¶@τ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: