معنى “التمدُّد الكوني”

وتخيَّل أنَّ كوكب الأرض تحوَّل، بعد ذلك، من “ثقب أسود” إلى جرم يزداد حجمه في استمرار، فهل يرى سكَّانه أي اختلاف في الزمان والمكان؟

كلاَّ، لن يروا.

إنَّ “انعدام” الزمان والمكان والفضاء في “البيضة الكونية” هو ظاهرة لا يراها إلاَّ مراقِب في خارج كوننا، أي في “نظام مرجعي آخر”، يسمح له برؤية هذا “الانعدام”.

لو وُجِدَ “زمكان آخر”، أي كون آخر، فلن نتمكَّن أبداً من معرفته، أو الاتِّصال به، فـ “مادة كوننا” في سجن أبدي يسمى “الزمكان” الخاص بها.

تخيَّل أنَّ كوننا يتألَّف من مجرَّتين فقط. الفضاء بينهما يتمدَّد بسرعة تقلُّ عن سرعة الضوء. في هذه الحال، يستمر الاتِّصال وتبادل التأثير والتفاعل بين المجرَّتين، وتبقيان، بالتالي، في كون واحد. ولكن، تخيَّل أنَّ الفضاء بينهما قد تمدَّد الآن بسرعة تفوق سرعة الضوء. في هذه الحال، يصبح لدينا كونين، أو “زمكانين”، لا اتِّصال ولا تفاعل بينهما.

إنَّ التاريخ الواقعي والحقيقي للكون، والذي تَضْرِب عنه صفحاً نظرية “الانفجار الكبير” مع مؤسِّسيها ومطوِّريها وأنصارها، إنَّما يُثْبِت ويؤكِّد أنْ لا مادة يمكن أنْ تُوْجِد إلاَّ من مادة وُجِدَت من قبلها.

أمَّا القائلون بتلك النظرية فيقولون، عندما يقرِّرون إظهار شيء من الاعتدال في عدائهم لقانون “المادة لا تُخْلَق (من العدم أو من لا شيء) ولا تفنى”، إنَّ المادة، أو الطاقة، يمكن أن تُخْلَق من “الفضاء الفارِغ (أو الخالي)” Empty Space. و”السبب”، في رأيهم، هو أنْ لا وجود (في الكون) لفضاء فارِغٍ فراغاً مُطْلقاً أو تامَّاً.

وهذا “السبب”، الذي أوردوه في معرض التعليل والتفسير، كان يعوزه التعليل والتفسير، فما المعنى الفيزيائي لهذا الشيء الذي يسمُّونه “الفضاء الفارِغ (ظاهراً) اللا فارغ (باطناً)”، والذي منه تُخْلَق، أو يمكن أن تُخْلَق، المادة، أو الطاقة؟!

وما معنى هذا “الخلق” إذا ما انتهى دائماً إلى بقاء كمية المادة في الكون بلا زيادة؟!

وما معنى “الفناء”، الذي ينتهي إليه هذا “الخلق” في زمن في منتهى الصِغَر والضآلة، إذا لم يؤدِِّ إلى إنقاص كمية المادة في الكون؟!

وما هي الأهمية الفيزيائية الكونية لهذا “الخلق”، أو لهذا “الفناء”، إذا لم يكن على مقربة من الجسم الكوني المسمَّى “الثقب الأسود” Black Hole؟!

لقد حافظوا على قانون “حفظ المادة”، ومنعوا خرقه وانتهاكه، إذ قالوا إنَّ ظاهرة “خلق المادة من الفضاء الفارِغ”، وظاهرة “الفناء العاجِل للمادة المخلوقة”، لا تستغرقان إلاَّ زمناً في منتهى الصِغَر والضآلة، ويعجز، بالتالي، قانون “حفظ المادة” عن “الإحساس” بوجود، أو بفناء، هذا المخلوق.

إذا كان “الفضاء الفارِغ (فراغاً تامَّاً مُطْلَقاً)” لا وجود له في الكون، فما هو هذا “الفضاء الفارِغ (فراغاً ليس بالتام وليس بالمُطْلَق)”، والذي منه تُخْلَق مادة أو طاقة؟!

ما محتواه، وما هي خواصُّه، وكيف له أن يكون مَنْبِتاً لمادة، أو طاقة، لا تؤثِّر في كمية المادة في الكون؟!

الكون، بحسب النموذج، أو “الموديل”، الكوزمولوجي، المسمَّى “الانفجار الكبير”، وما يتضمَّنه من “تعريف” للكون، لا يتمدَّد ضِمْن “الفضاء”؛ لأنَّ “الفضاء” نفسه ضِمْن الكون، الذي كان على هيئة “بيضة كونية” قبل “الانفجار الكبير”، الذي هو خالق “المكان (والفضاء)” و”الزمان”. وهذه “البيضة”، هي في معنى ما، “الكون عديم المكان والزمان”.

وبحسب هذا “الموديل”، يُنْظَر إلى كل سؤال عن “البيضة”، أو عن هذا “الكون عديم المكان والزمان”، على أنَّه سؤال يُخْرِج سائله مع مجيبه من حيِّز العلم والفيزياء والكوزمولوجيا إلى حيِّز “الفلسفة”؛ لأنَّ السؤال، أي كل سؤال، عمَّا كان “قبل” وقوع “الانفجار الكبير”، أو عن أي شيء “قبل” هذا “الانفجار”، يجب أن يشتمل على “ظرف زمان ما”؛ وليس من المنطق في شيء، بحسب وجهة نظر القائلين بهذا “الموديل”، أن تسأل، مستعمِلاً “ظروف الزمان”، و”الزمان نفسه” لم يُخْلَق بَعْد.

“الفيزياء”، بحسب وجهة نظرهم، إنَّما هي السؤال عمَّا حَدَثَ ووُجِد “بَعْد” هذا “الانفجار”، أي بَعْد “خلق” الزمان، وليس عمَّا حَدَثَ أو كان موجوداً “قبله”، وكأنَّ “ما قَبْل الانفجار الكبير” هو نفسه “ما قَبْل الفيزياء، سؤالاً وجواباً”.

معنى “التمدُّد الكوني”

سنة 1929، اكتشف هابل، إذ نَظَر عبر التليسكوب في أعماق الكون، أنَّ المجرَّة الأكثر بُعْداً عن الأرض، أو عن مجرَّتنا، مجرَّة “درب التبَّانة”، هي الأكثر سرعةً في ابتعادها عنَّا، وأنَّ المجرَّة الأكثر قرباً منَّا هي الأكثر بطئاً في ابتعادها عنَّا. وهذا إنَّما يعني أوَّلاً، وعلى وجه العموم، أنْ ليس من مجرَّة تقترب منَّا، سريعاً أم بطيئاً.

على أنَّ المجرَّة “المُفْرَدة”، أي التي ليست بفَرْد من أفراد “عائلة (أو “عشيرة”، أو “قبيلة”) من المجرَّات”، لا وجود لها على ما هو مُثْبَت ومؤكَّد، فلكياً، حتى الآن، فالمجرَّة، أي كل مجرَّة، إنَّما هي جزء من كُلٍّ. وهذا “الكلُّ”، أو هذا النظام من النُظُم الكونية، يسمَّى “عنقود (أو تَجمُّع، أو مجموعة، أو تكتُّل) المجرَّات” Cluster.

وكل مجرَّة من المجرَّات “المُتَعَنْقِدة”، تدور حَوْل مركز “عنقودها” كما تدور الكواكب حَوْل الشمس.

و”عناقيد المجرَّات”، وليست المجرَّات، هي التي، على ما يُعْتَقَد حتى الآن، “تتباعَد”، فضِمْن “العنقود المجريِّ الواحد” ليس من تباعُدٍ بين المجرَّات؛ لأنَّ الجذب المتبادل بينها قوي بما يكفي لمنع تمدُّد الفضاء هنا من أن يتسبَّب بابتعاد كل مجرَّة عن سائر أفراد عائلتها.

إنَّ تمدُّد الفضاء بين “عناقيد المجرَّات”، التي تتبادل جَذْباً في منتهى الضعف، هو الذي يُباعِد بين “العناقيد”، مُظْهِراً لنا كل “عنقود” على أنَّه في ارتدادٍ عن سائر “العناقيد”.

وعليه، لا بدَّ من إعادة صوغ هذا “الاكتشاف”، أو “قانون هابل”، على النحو الآتي: “عنقود المجرَّات” الأكثر بُعْداً عن “عنقودنا المجريِّ”، الذي تنتمي إليه الأرض مع مجرَّتها، هو الأكثر احْمِراراً في لون ضوئه؛ لأنَّه الأكثر سرعةً في ابتعاده عنَّا؛ و”عنقود المجرَّات” الأكثر قُرْباً من “عنقودنا المجريِّ”، هو الأقل احْمِراراً في لون ضوئه؛ لأنَّه الأكثر بطئاً في ابتعاده عنَّا، فالجسم الكوني كلَّما زادت سرعة ابتعاده عنَّا زاد مقدار اللون الأحمر في ضوئه.

وهذا الذي رآه “هابل الأرضي” يجب أن يراه كل “هابل كوني”، فـ “عناقيد المجرَّات” لا تبتعد عن أرضنا، أو مجرَّتنا، أو “عنقودنا”، وكأننا نحن “مركز الكون”. إنَّ كل “عنقود” يبتعد، ويرتد، عن سائر “العناقيد” في الكون.

ولو شبَّهنا “الفضاء” بـ “بحر”، فإنَّ “العناقيد المجريَّة” هي “جُزُره”، التي تتباعد، أي تبتعد كل “جزيرة” منها عن سائر “الجُزُر”؛ لأنَّ “الفواصِل البحرية المائية” بينها هي التي تتَّسِع وتتمدَّد وتًكْبُر.

إنَّنا نرى “العناقيد المجريَّة” وكأنَّها تتحرَّك، وتنتقل، “في” الفضاء، بعيداً عنَّا؛ ولكنَّها في “واقعها الموضوعي” ليست كذلك. إنَّها تتحرَّك، وتنتقل، “مع” الفضاء، وإنَّ كل “عنقود” يتحرَّك، وينتقل، بعيداً عن سائر “العناقيد”.

والقانون نفسه، أي “قانون هابل”، يمكن، ويجب، توضيحه أكثر من خلال إضافة كلمة أخرى إليه هي “الأقْدَم”، فـ “العنقود المجريِّ” الأسرع في ابتعاده عنَّا ليس هو الأبْعَد عنَّا فحسب، وإنَّما “الأقْدَم”، فأنتَ عندما تراه الآن إنَّما ترى “صورته القديمة”، أي الهيئة التي كان عليها قبل آلاف الملايين من السنين.

ما أراه الآن إنَّما يخبرني أنَّ هذا “العنقود”، الذي لا أملك، ولا يمكنني أن أملك، أي دليل على أنَّه ما زال موجوداً حتى الآن، كان قبل آلاف الملايين من السنين على الهيئة التي أراه فيها الآن.. كان يبتعد عنَّا في هذه السرعة.

ما اكتشفه هابل إنَّما يؤكِّد أنًَّ “تمدُّد (أو توسُّع) الكون” هو أقرب إلى “الفعل الماضي” منه إلى “الفعل المضارع”؛ ذلك لأنَّه أخْبَرَنا أنَّ “تمدُّد الكون” هو الآن في طور “التباطؤ”، فـ “العنقود المجريِّ” الأقرب إلينا هو الأبطأ في ابتعاده عنَّا؛ و”العنقود المجريِّ” الأبعد عنَّا هو الأسرع في ابتعاده عنَّا. و”العنقود المجريِّ” الأقرب إلينا في “المكان” يجب أن يكون الأقرب إلينا في “الزمان”.

ولقد ظلَّ هذا الاعتقاد قائماً وسائداً حتى أظهرت أحدث الأبحاث الفلكية والكوزمولوجية أنَّ “تمدُّد الكون” هو الآن في طور “التسارع”.

وهذا إنَّما يعني، أي يجب أن يعني، أنَّنا نعرف الآن، على وجه اليقين، ما هو “العنقود المجريِّ” الأقرب إلى “عنقودنا”، وكم من السنين الضوئية يبعد عنَّا، وأنَّنا نعرف، أيضاً، أنَّ هذا “العنقود” هو الأسرع من “عناقيد” أخرى، أبْعَد، في ابتعاده عنَّا.

وعليه، نتصوَّر “تمدُّد الكون”، بعد انتهاء “طور التضخُّم”، على النحو الآتي: كان سريعاً، فشرع يتباطأ، ثمَّ شرع يتسارع.

وبعد جَمْع مزيدٍ من الأدلة على أنَّ “تمدُّد الكون (أو الفضاء)” هو الآن في طور “التسارع”، لا بدَّ من التوسُّع في البحث، توصُّلاً إلى إجابة السؤالين الآتيين: أيُّهما أسرع في الابتعاد عنَّا، “العنقود المجريِّ” الأقرب إلينا أم “العنقود المجريِّ” الأبعد عنَّا؟

ولماذا.. لماذا “تسارَع” تمدُّد الفضاء بعدما “تباطأ” زمناً طويلاً؟

في الحديث عن “تمدُّد الكون”، كثيراً ما نشير، أو ما كُنَّا نشير، إلى أنَّ ارتداد كل “مجرَّة” عن سائر “المجرَّات” هو ما نعنيه بهذه الظاهرة، أي ظاهرة “تمدُّد الكون”. ولكنَّ حقيقة الظاهرة ليست كذلك، فالذي يتمدَّد ويتَّسِع ليس المسافة بين مجرَّة ومجرَّة ضِمْن “مجموعة (Cluster) مجرَّات”، ولا المسافة بين نجم ونجم ضِمْن مجرَّة، وإنَّما المسافة بين مجموعة ومجموعة (من المجرَّات).

وهذا الاتِّساع المستمر والمتزايد والمتسارِع للمسافة بين كل “مجموعة من المجرَّات” وسائر “المجموعات” لا يعود إلى حركتها أو انتقالها “في” الفضاء، فهي، أي كل “مجموعة”، لا تتحرَّك، ولا تنتقل، “في” الفضاء، أو المكان، وإنْ بدت لنا كذلك.

إنَّها، في الحقيقة، تتحرَّك، أو تنتقل، “مع” الفضاء، فالفضاء (بين “مجموعات المجرَّات”) هو الذي يتمدَّد ويتَّسِع؛ وليس “تمدُّد الكون” سوى مظهر “تمدُّد الفضاء”.

أمَّا الفضاء بين المجرَّات ضِمْن “مجموعة المجرَّات”، أو الفضاء بين النجوم ضِمْن المجرَّة، فلا يتمدَّد، أي لا يخضع لتأثير “قانون هابل”. وهذا عائد إلى التأثير القوي للجاذبية ضِمْن كل “مجموعة مجرات”، وضِمْن كل مجرَّة، فكل “مجموعة”، وكل مجرَّة، تشتمل على كمية من المادة، تكفي لتوليد جاذبية داخلية، تكفي لمنع الفضاء الداخلي من التمدُّد.

على أنَّ حركة المجرَّات (ضِمْن مجموعة مجرَّات) في مدارات عشوائية (من حيث الأساس) تؤدِّي، أحياناً، إلى تصادمها.

بفضل تليسكوب الفضاء “هابل”، لدينا الآن صوراً لمجرَّات تتصادم؛ وثمَّة من يتساءل قائلاً: كيف للمجرَّات أن تتصادم ما دام الكون في حالٍ من التمدُّد المستمر؟

أوَّلاً، الصور إنَّما هي صور لتصادم “مجرَّات”، فتليسكوب “هابل” لم يُزوِّدنا صوراً لتصادم “عنقودين (أو مجموعتين) من المجرَّات”؛ فالفضاء الذي يتمدَّد، والذي يتسارع تمدُّده الآن، إنَّما هو الفضاء بين “العناقيد المجريِّة”.

أمَّا في داخل كل “عنقود مجريٍّ” فإنَّ الجذب المتبادل بين المجرَّات قويٌّ بما يكفي لمنع الفضاء بينها من التمدُّد. إنَّ كل مجرَّة من مجرَّات “عنقود” ما لا تتأثَّر بتمدُّد الفضاء بين “عنقودها” و”العنقود” المجاوِر. إنَّها تتأثَّر فحسب بحقل الجاذبية لمجرَّة مجاورة ضِمْن “العنقود” نفسه.

وعليه، يمكن أن نرى في داخل “العنقود” تصادُماً بين مجرَّات من مجرَّاته. وهذا التصادم كان ممكناً الحدوث أكثر في الماضي الكوني البعيد؛ وكان ممكناً أن يكون بين مجرَّة في “عنقود” ومجرَّة في “عنقود” آخر؛ ذلك لأنَّ المسافة بين كل “عنقودين” كانت صغيرة، فالكون القديم كان أصغر حجماً، وكان، بالتالي، أكثر ازدحاماً واكتظاظاً بـ “المجموعات المجريَّة”؛ وصور “هابل”، من ثمَّ، إنَّما هي صورٌ لحوادث تصادم مجريٍّ حدثت قبل آلاف الملايين من السنين.

للكون خاصية غريبة هي أنَّ الضوء الآتي من مناطق بعيدة يَحْمَرُّ أكثر فأكثر مع كل زيادة في بُعْدِها عنا؛ ونحن نعرف أنَّ “مَصْدَر الضوء” عندما يتحرَّك بعيداً عنَّا نرى لونه ضوئه يتبدَّل، أو يتغيَّر، نحو الأحمر.

إنَّ الضوء ينزاح نحو الأحمر في مجموعة ألوان الطيف Spectrum في خلال سيره الطويل في الفضاء، فكلَّما طالت المسافة زادت درجة “الانزياح إلى الأحمر”.

و”ألوان الطيف” التي تَظْهَر عند تحليل الضوء الأبيض هي: الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجي.

والكويزار Quasar هو الجسم الكوني الأكثر لمعاناً في الكون على ما نعرف حتى الآن. ويشير الانحراف الواسع جدَّاً نحو الأحمر في خطوط طيفه إلى أنَّ هذا الجسم يرتحل بعيداً عنَّا، أو عن مجرَّتنا، بسرعة تعدل 80 في المائة من سرعة الضوء.

نحن في مراقبتنا ودراستنا المجرَّات (وغيرها من الأجسام الكونية البعيدة) نحتاج إلى معرفة “سرعة” المجرَّة، أي سرعة ابتعادها عنَّا، ومعرفة “كم تبعد عنَّا”؛ ولكن، يكفي أنْ نَعْرِف أحد الأمرين حتى نَعْرِف الآخر، فالمجرة “الأسرع (في ابتعادها عنَّا)” هي ذاتها “الأبعد (عنَّا)”، و”الأبعد” هي ذاتها “الأسرع”.

إذا نظرنا إلى مجرَّة، فرأيْنا أنَّ لون ضوئها أكثر احْمِراراً، فلا بدَّ لنا من أن نستنتج، عندئذٍ، أنَّها أكثر سرعةً في ابتعادها عنَّا، فكلَّما أسرعت في ابتعادها عنَّا احْمَرَّ لون ضوئها أكثر. على أنَّ قياس بُعْدِها عنَّا يظل أصعب نسبياً، أي نسبة إلى قياس سرعة ابتعادها عنَّا.

ويتَّخِذ الفلكيون “اللمعان” Brightness، أي شدَّة، أو قوَّة، أو درجة، لمعان الجسم الكوني، مقياساً يقيسون به “البُعْد”، فالمجرَّة الأقل لمعاناً هي (من حيث المبدأ وعلى وجه العموم) الأكثر بُعْداً عنَّا.

ولقد توصَّل علم الفلك، بَعْد، وبفضل، كثيرٍ من الأبحاث والتجارب والاختبارات، إلى أنَّ الجسم الكوني الأكثر بُعْداً عن الأرض، هو الأقل لمعاناً، والأسرع في ابتعاده عنها، والأكثر احمراراً في لون ضوئه، والأقدم وجوداً.

ولكنَّ احْمِرار لون الضوء الآتي إلينا من مجرَّات بعيدة قد يُفَسَّر بما لا يقود إلى الاستنتاج بأنَّ الكون يتمدَّد، فهذا الاحْمِرار هو ظاهرة يمكن أن تنشأ عن اصطدام هذا الضوء بإلكترونات حُرَّة موجودة بكثرة في الفضاء بين المجرَّات.

وهذا هو ما يسمَّى “تأثير كومبتون (Compton)”، الذي يتَّخِذه المناوئون لنظرية “الانفجار الكبير”، أو لنظرية “تمدُّد الكون”، سبباً للقول بكونٍ ساكِنٍ، ثابتٍ، لا يتمدَّد.

إنَّ الفضاء بين المجرَّات، ما عاد يُنْظَر إليه على أنَّه “الفراغ التام”؛ ذلك لأنَّه مليء بإلكترونات حُرَّة. وعندما يصطدم الضوء الآتي من مجرَّات بعيدة بهذه الإلكترونات تَنْتُج ظاهرة الانحراف أو التغيير نحو الأحمر، أي ما يسمَّى “تأثير كومبتون”.

تمدُّد الكون إنَّما هو تمدُّد الفضاء فحسب؛ وهذا التمدُّد (الفضائي) يلقى مقاومة من قِبَل الجاذبية، التي يقوى تأثيرها ويشتد حيث تتركَّز وتتكتَّل المادة. ولقد فُسِّر التمدُّد الأوَّلي (والسريع جدَّاً) الذي عرفه الكون، بعد “الانفجار الكبير” مباشرَةً، والذي لم يستغرق سوى ثوانٍ معدودة، على أنَّه نتيجة زيادة أو إفراط في طاقة الفضاء، التي هي في منزلة القوَّة المضادة للجاذبية الكونية، والتي تَدْفَع الكون نحو التمدُّد.

والآن يُعْزى تمدُّد، وتسارع تمدُّد، الكون إلى نوع جديد من “الطاقة”، يسمَّى “طاقة الفضاء الفارغ”، فـ “الفراغ”، في فهمه الجديد، إنَّما هو “شيء” يمكن ويجب النظر إليه على أنَّه “مادة”، أي صورة من صور المادة. وكلَّما تمدَّد الكون تسارَع تمدُّده، وكأنَّ تمدُّد الكون “يُفْرِج” عن مزيد من طاقة التمدُّد التي يختزنها (يعتقلها، يسجنها، يأسرها) الفضاء الفارغ.

الكون الذي شرع يتمدَّد كان متفاوتاً في تركُّز وكثافة مادته، أي أنَّ مادته كانت تتركَّز أكثر في بعضٍ من مواضعه، فالفضاء المتمدِّد كله إنَّما كان في تلك المواضِع مكبوح التمدُّد بسبب “الجاذبية”، التي “تُجمِّع”، و”تُركِّز”، المادة، والتي، في الوقت نفسه، تقوى وتشتد حيث “تتجمَّع”، و”تتركَّز”، المادة.

وهذا التفاوت في تركُّز وكثافة مادة الكون هو ما يُفسِّر التمدُّد المتفاوت للفضاء. ولو أنَّ مادة الكون وُزِّعَت، منذ البداية، توزيعاً متساوياً في فضائه لَمَا تكوَّنت النجوم والمجرَّات، ولتمدَّد الفضاء تمدُّداً متساوياً في كل أرجائه.

نظرياً، لا بدَّ لتمدُّد الفضاء من أن يكون متساوياً في كل نواحيه وأجزائه؛ ولكنَّه، عملياً، وفعلياً، وواقعياً، ليس كذلك؛ لأنَّ تَوزُّع المادة فيه ليس بمتساوٍ.

الفضاء يزداد تمدُّداً حيث يقل تركُّز (تجمُّع، تكثُّف) المادة، ويقل تمدُّداً حيث يزداد تركُّزها. إنَّه، أي الفضاء، بين “مجموعات المجرَّات”، حيث تركُّز المادة في منتهى الضعف، في حالٍ من التمدُّد الأقصى؛ أمَّا في داخل “مجموعة المجرَّات”، وفي داخل كل مجرَّة، حيث تركُّز المادة أشد وأقوى، وحيث الجاذبية الداخلية أشد وأقوى بالتالي، فيَظْهَر تمدُّد الفضاء على أنَّه معطَّل، أو شبه معطَّل.

“تمدُّد الفضاء (أو الكون)” ليس بالمتساوي تساوياً مُطْلَقاً، فهو متفاوِت، مختلِف، متباين، سرعة ونسبةً، وإنْ تساوى تساوياً “شبه” تام بين “عناقيد المجرَّات”. ويتَّحِد “التمدُّد” في الكون اتِّحاداً لا انفصام فيه مع “التقلُّص”، فبعضٌ من “الكون المتمدِّد” نراه في حالٍ من الانكماش والتقلُّص. ونسبة التمدُّد الكوني تبدو مختلفة، متغيِّرة، من مكان إلى مكان، فالأجسام الكونية البعيدة عنَّا تَظْهَر لنا على أنَّها تبتعد وترتد عنَّا بسرعة أكبر، مقارَنةً بالأجسام المجاوِرة أو القريبة؛ والجسم الكوني الأبعد هو، في الوقت نفسه، الأقدم، فالأبعد مكاناً هو الأقدم زماناً.

وهذا إنَّما يعني أنَّ تمدُّد الكون كان في الماضي البعيد أسرع مِمَّا هو الآن، وإنْ كانت الملاحظات والاكتشافات الجديدة تشير إلى أنَّ الكون الآن يتسارع تمدُّداً.

وكلَّما تمدَّد الكون، أو الفضاء، تضاءلت كثافته، أي تضاءلت كثافة مادته (= كثافة الكتلة والطاقة فيه). وكثافة الكون (أو تركُّز كتلته) هي العامل المحدِّد والمقرِّر لمصير الكون وشكله، فالكون يجب أن يكون كثيفاً إلى حدٍّ معيَّن حتى يكون “مُغْلَقاً”.

إنَّ نُظُماً كونية معيَّنة هي التي نرى الفضاء بينها يتمدَّد، ويتسارَع في تمدُّده. إنَّها نُظُمٌ لا تتحرَّك “في” الفضاء، أو “عَبْر” الفضاء؛ ولكنها تتحرَّك، مبتعدةً عن بعضها بعضاً، “بـ” الفضاء، أي بسبب تمدُّد الفضاء نفسه، فهل هذا يعني أنَّ كل نظام من هذه النُظُم لا يمكنه أبداً أن يتحرَّك، أيضاً، “في” الفضاء”؟

وإذا كان الجواب هو “نعم”، فلماذا لا يمكنه ذلك؟

هل السبب هو عدم وجود “مركز” تتحرَّك حَوْله؟

إنَّنا نعلم أنَّ النجم يتحرَّك، أو ينتقل، “في” الفضاء، فهو يدور، ويجب أن يدور، حَوْل “مركز” المجرَّة التي إليها ينتمي. ونعلم أيضاً أنَّ المجرَّة تتحرَّك “في” الفضاء، فهي تدور حَوْل “مركز” في “عنقود المجرَّات” الذي إليه تنتمي. هل هذا يعني أنَّ الحركة الطبيعية العادية للجسم الكوني “في” الفضاء يجب أن تكون حركة دورانية، أي حَوْل “مركز ما”؟

إنَّ انحناء وتقوُّس الفضاء حَوْل “المركز”، أي حَوْل “كتلة ضخمة”، هو الذي يُنْتِج تلك الحركة الدورانية، التي هي حركة لأجسام (نجم أو مجرَّة..) ضِمْن نظام من نُظُم كونية لا يتحرَّك هو نفسه “في” الفضاء، وإنَّما “بـ” الفضاء.

الفضاء بتمدُّده يباعِد بين “النُظُم الكونية” فتتباعد؛ وهذا التباعد ليس بحركة لهذه النُظُم “في” الفضاء” الذي يتمدَّد؛ ولكن ليس ضِمْن “فضاء آخر”؛ لأنْ لا وجود لفضاء آخر، وإنْ وُجِد، فليس من اتِّصال فيزيائي بيننا وبينه.

بين مجرة ومجرة لا يتمدَّد الفضاء (أو يُكْبَح تمدُّده فلا يَظْهَر). بين عنقودين من المجرَّات يتمدَّد الفضاء، فهنا يكاد يتلاشى “الكابح الجاذبي”. الفضاء هو نفسه الذي يتمدَّد، وليس الكون هو الذي يتمدَّد ضِمْن الفضاء. ليس من فضاء (على ما يقول به أنصار نظرية “الانفجار الكبير”) إلاَّ الفضاء الذي خلقه “الانفجار الكبير”؛ وهذا الفضاء هو الذي يتمدَّد.

ولكن، لماذا لا نَفْتَرِض أنَّ الفضاء متمدِّدٌ (أو متقلَّص) بطبيعته، وأنَّه موضعياً (ضِمْن مجرَّة مثلاً) يعجز عن التمدُّد.. وأنَّ فيه قوَّة، هي جزء لا يتجزَّأ منه، تدفعه، الآن، إلى التمدُّد في استمرار؟

ولماذا لا نَفْتَرِض أنَّ الفضاء هو جزء لا يتجزَّأ من “المادة”، وأنَّه يشبه حقلاً مليئاً بـ “المادة” على هيئة “بذور”، وأنَّ “البذور” لا تنمو إلاَّ إذا استوفت الشروط الفيزيائية لنموِّها، التي منها وجود “ثقب أسود” على مقربة من بعض تلك “البذور”، فإذا لم تستوفِ تلك الشروط “تموت” في زمن متناهٍ في الضآلة؟

إنَّها “تموت”؛ لأنَّها على هيئة أزواج من المادة والمادة المضادة؛ ولا بدَّ لـ “البذور” من المادة والمادة المضادة من أن تتصادم، وتبيد بعضها بعضاً في زمن متناهٍ في الضآلة.

ما هو “الفضاء”؟

Sent iPadn Ť€©ћ№©¶@τ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: