ماهية الأكوان الأخرى – الزمكان

ولكن، مِمَّ تتألَّف تلك الأكوان الأخرى؟

إنَّ كثيراً منها يتألَّف، على ما يقولون، من “بحرٍ من جسيمات الإلكترون والنيوترينو والفوتون”.

وكل كون، وبحسب بعض من تعريف “الكون”، لا بدَّ له من أن يكون منفصلاً انفصالاً فيزيائياً مُطْلَقاً عن سائر الأكوان، وله “زمكانه” الخاص به.

ومع أنَّ مثال “الفقاقيع التي تَظْهَر في الماء عندما يغلي” يخلو تماماً مِمَّا يشير إلى ما يشبه خَلْقاً للمادة من العدم، الذي يسمُّونه أحياناً “لا شيء”، أو فراغ Vacuum، فإنَّهم يأتون به لإظهار وتوضيح فكرة “خلق أكوان (فقاقيع) من لا شيء”!

لقد تصوَّروا تلك الأكوان، أو بعضها، على أنَّها تتألَّف من بحرٍ من بعض الجسيمات”، التي منها “الإلكترون”، وهو من الجسيمات الأوَّلية (أو الأساسية) التي لها كتلة.

ونحن لو أمعنا النظر في هذا التصوُّر لتأكَّد لنا أنْ لا سند له حتى في ما يسمَّى “عملية إشعاع هوكينغ”، والتي لا يُسْتَنْتَج منها، أي من النظرية التي تتحدَّث عنها وتشرحها، أنَّ “الخرق المؤقَّت (غير المحسوس)” لقانون “حفظ المادة” يمكن أن يغدو “دائماً (وظاهراً)”.

في “الفضاء الفارغ”، أو الفراغ Vacuum، تُخْلَق، في استمرار، “أزواجٌ من المادة والمادة المضادة”، كالإلكترون والبوزيترون. ولكنَّ هذه الأزواج تختفي من الوجود سريعاً، وقبل أن يلحظها، أو يشعر بها، قانون “حفظ المادة”. إنَّها جسيمات متضادة “غير حقيقية”. إنَّها “شبحية”، أو “طيفية”، تشبه “الظلال”، ولا تظل على قيد الحياة إلاَّ زمناً متناهياً في الضآلة.

في حالة واحدة فحسب، يمكن أن يتحوَّل أحد الجسيمين (الشبحيين) المتضادين إلى جسيم “حقيقي”، هي أن يظهر هذان الجسيمان على مقربة من “ثقب أسود”.

في هذه الحالة، قد يسقط أحدهما في عمق “الثقب الأسود”، بسبب جاذبيته الهائلة، فيكتسب الجسيم الآخر (الذي بقي في الخارج) مقداراً من طاقة هذا “الثقب الأسود”؛ وبفضل هذا المقدار من الطاقة يتحوَّل الجسيم الشبحي الذي بقي في الخارج إلى جسيم “حقيقي”، أي إلى جسيم له كتلة، من غير أن يطرأ أي تغيير (زيادة أو نقصان) على مقدار المادة الكلِّي في الكون.

وفي نظرية “الفقاقيع”، أو في طريقة خَلْق “الفقاقيع (أو الأكوان الأخرى)”، ليس ثمَّة ما يوافِق نظرية “إشعاع هوكينغ” في جانبها الخاص بـ “خلق الكتلة”، أو “الجسيم الحقيقي”.

إنَّهم، في نظرية “الأكوان ـ الفقاقيع”، يتحدَّثون عن أكوانٍ تتألَّف من جسيمات كجسيم الإلكترون (الذي له كتلة) وكأنَّهم يتحدَّثون عن خَلْقٍ للمادة من “العدم”.

لقد نشأ كوننا بـ “انفجار”، يسمَّى “الانفجار الكبير” Big Bang، فهل حدثت “انفجارات أخرى”، فانبثقت منها “أكوان أخرى”؟

إنَّ “الانفجار” لا يكون مُنْتِجاً لـ “كون” إلاَّ إذا كان “مُنْتَجَهُ” شيئاً منفصلاً تماماً من الوجهة الفيزيائية، أي لا يتفاعل، ولا يتبادل التأثير، مع أي شيء آخر، أي مع أيِّ كون آخر.

وثمَّة كوزمولوجيون يقولون بفرضية مؤدَّاها أنَّ “انفجارات كونية” كثيرة؛ ولكن أصغر من “الانفجار الكبير”، قد وقعت، فانبثقت منها “أكوان صغيرة”.

كوزمولوجيون آخرون يعتقدون الآن بأنَّ “بذور” أكوان أخرى قد بُذِرَت، وتُبْذَر، في “أرض كوننا”، وبأنَّ الأكوان التي نمت، وتنمو، من هذه “البذور” قد انفصلت نهائياً عن كوننا، أي عن “الكون الأُم”، فليس ممكناً الاتِّصال بينها وبين كوننا. إنَّها أكوان لا يمكن أبداً ملاحظتها، أو اكتشافها، أو رؤيتها، وكأنَّها غير موجودة بالنسبة إلينا.

الكون، كل الكون، كل شيء، إنَّما يقع على “السطح” من البالون الكوني الضخم. كل ما يقع على هذا السطح يمكننا الاتِّصال به، والتفاعل وتبادل التأثير معه. كل ما لا يقع على هذا السطح ليس بجزء من كوننا، فلا يمكننا أبداً الاتِّصال به، أو التفاعل وتبادل التأثير معه.

الكون، وفي هذا المعنى، يجب أن يكون واحداً موحَّداً. ولكن، هل معنى هذا أنَّ “الشيء الموجود” هو فحسب الشيء الذي يمكننا الاتِّصال به، والتفاعل وتبادل التأثير معه؟

كلاَّ، فثمَّة، على ما أعتقد، أشياء، ومنظومات ونُظُم كونية، لا يمكننا أبداً الاتِّصال بها، أو التفاعل وتبادل التأثير معها؛ ومع ذلك فهي موجودة موضوعياً، فكل ما يمكننا الاتِّصال به إنَّما هو شيء موجود بالفعل؛ ولكن ليس كل ما هو موجود بالفعل يمكننا الاتِّصال به.

كل ما يؤثِّر فينا فيزيائياً يجب أن يكون موجوداً؛ ولكن ليس كل ما هو موجود (وجوداً حقيقياً، فعلياً، موضوعياً) يجب أن يؤثِّر فينا فيزيائياً، فالموجود من المادة، أو من العالم المادي، على نوعين: نوع يؤثِّر فينا فيزيائياً، ونوع لا يؤثِّر (أو لا يمكنه أبداً أن يؤثِّر) فينا فيزيائياً.

إنَّ عجزي الموضوعي (والفيزيائي) عن الاتِّصال بشيء ما لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ هذا الشيء ليس بموجود فعلاً. إنَّه موجود فعلاً؛ وإن كنتُ لا أملك من دليل محسوس على وجوده.

وأحسب، أيضا، أنْ لا بدَّ من تخفيف حِدَّة القطعية في قولهم باستحالة الاتِّصال، أو التفاعل وتبادل التأثير الفيزيائي، مع عوالم أخرى، فالقول بهذا إنَّما هو أقرب إلى الميتافيزيقيا منه إلى الجدلية.

في كوننا، سِرْ، “مستقيماً”، في الاتِّجاه نفسه (إلى الأمام، أو إلى الوراء، إلى اليمين، أو إلى اليسار، إلى أعلى، أو إلى أسفل) تَرْجِعْ إلى النقطة التي منها انطلقت.

مركز “التمدُّد الكوني”، أو مركز “كوننا المتمدِّد”، ليس موجوداً في كوننا؛ لأنَّه ليس بموجود على السطح من بالوننا الكوني المتمدِّد.

كل فضاء لا يقع على سطح بالوننا الكوني، ولا يمكننا، بالتالي، الاتِّصال به، إنَّما هو الـ “ما ورائي (من الفضاء)” Hyperspace. إنَّه كل فضاء لا يُعَدُّ جزءاً لا يتجزَّأ من فضاء كوننا، ولا يمكننا أبداً، ولأسباب موضوعية (فيزيائية) صرف، إثبات وجوده.

خَلْق “الزمان ـ المكان”، أو “الزمكان”، Space – Time، عَبْر “الانفجار الكبير”، إنَّما يعني، بحسب منطق نظرية “الانفجار الكبير، أنَّ “كوننا” في حالٍ من الانفصال الفيزيائي المُطْلَق عن كل كون آخر، وعن كل فضاء آخر، إذا ما افترضنا وجود كون آخر، أو فضاء آخر.

إنَّ كل “زمكان آخر” لا يمكننا أبداً معرفته، أو الاتِّصال به في أيِّ شكل من أشكال الاتِّصال الفيزيائي؛ لا يمكننا أبداً التفاعل، أو تبادل التأثير الفيزيائي، معه، فكوننا لا يؤثِّر فيه أبداً، ولا يتأثَّر فيه أبداً.

أقْدَمُ شيء يمكن أن نراه في الكون، عَبْر التليسكوب، إنَّما هو الشيء الذي نشأ بعد نحو 300 ألف سنة من “الانفجار الكبير”، فأيُّ حادث حدث قبل ذلك لا يمكننا أبداً رؤيته.

وهذا إنَّما يعني، أيضاً، أنَّ “الانفجار الكبير” نفسه لا يمكننا أبداً رؤيته. أمَّا السبب فهو أنَّ الكون القديم، أي الذي كان عُمْره أقل من 300 ألف سنة، كان مُعْتِماً، غير شفَّاف؛ لأنَّه كان يتألَّف من “مادة متأيِّنة”.

لقد كان يتألَّف من “مادة لا ذرِّية”، أي من نوى ذرَّات الهيدروجين والهيليوم التي لم تأسْر بَعْد إلكتروناتها؛ لأنَّ الكون لم يكن قد برد بَعْد بما يكفي (كانت درجة حرارته تزيد عن 3000 درجة كالفن) لإنهاء وجود “الإلكترونات الحُرَّة”، أي الإلكترونات التي لم تنضم بَعْد إلى نوى تلك الذرَّات لتكوين “المادة الذرِّية”. وانتشار “الإلكترونات الحُرَّة”، أو اكتظاظ الفضاء بها، هو الذي جعل الكون، أو الفضاء، مُعْتِماً، غير شفَّاف، فالفوتون (أو جسيم الضوء) ما أن ينطلق حتى تفترسه الوحوش الإلكترونية الحُرَّة الطليقة.

بعد 300 ألف سنة من “الانفجار الكبير” أصبح الفضاء شفَّافاً، وأصبح السير فيه آمناً بالنسبة إلى الفوتونات، فقد اتَّسَع، وبرد، بالتالي، بما يكفي لتمكين نوى ذرَّات الهيدروجين والهيليوم من أسْر الإلكترونات الحُرَّة.

إذا كان عُمْر الكون 20 بليون سنة، وإذا ما كان ضوء هذا الجسم الكوني الذي نراه الآن يُخْبرنا أنَّه قد وصل إلى عيوننا (الآن) بعدما قطع مسافة 19 بليون سنة ضوئية، فما الذي نَعْرِف من ذلك على وجه اليقين؟

نَعْرِف فحسب أنَّ هذا الضوء (الذي نراه الآن) قد اجتاز (في طريقه إلينا) مسافة 19 بليون سنة ضوئية، وأنَّه قد انطلق من ذلك الجسم الكوني بعد “الانفجار الكبير” بنحو 1000 مليون سنة (= بليون سنة).

إنَّنا لا نَعْرِف من ذلك، وليس في مقدورنا أنْ نَعْرِف، إلاَّ الأمر الآتي: إنَّ ذلك الجسم الكوني كان قبل 19 بليون سنة في الهيئة، أو الحال، أو الصورة، التي نراه عليها الآن.

ونحن، مهما طوَّرنا تليسكوباتنا، لن نرى أبداً ما وراء “أُفْق الكون”، فالأشياء التي كانت موجودة، والحوادث التي وقعت، قبل أن يبلغ عُمْر الكون 300 ألف سنة، لن نرى أبداً “صُوَرِها”.

ولو رأيْنا شيئاً، ثَبُتَ لنا أنَّ عُمْره يزيد عن عُمْر الكون، فلا بدَّ لنا، عندئذٍ، من أن نزيد عُمْر الكون، فالكون لا يمكن أن يكون أصغر عُمْراً من محتواه من الأشياء والأجسام. وحتى الآن لم يكتشف الفلكيون شيئاً في الكون (نجماً أو مجرَّة..) أقدم وجوداً من الكون نفسه، أي يزيد عُمْره عن عُمْر الكون الذي نَفْتَرِض.

توصُّلاً إلى تصوُّر كوزمولوجي مضاد

مِنْ شيء ليس كمثله شيء، وعَبْرَ (من خلال، بفضل) انفجار ليس كمثله انفجار (Big Bang) نشأ، أو وُلِدَ،الكون، أو كوننا، قبل 20 (أو 18، أو 13) ألف مليون سنة، أي عند نشوء، أو ولادة، الزمن نفسه.

ومُذْ نشأ كوننا وهو في تمدُّد مستمرٍ؛ وهذا التمدُّد هو الآن، على ما يُقال، في تسارُعٍ (تزايد). وتمدُّد الكون (توسُّعه أو اتِّساع حجمه) إنَّما هو ذاته تمدُّد الفضاء، فكل “مجموعة (Cluster) من المجرَّات” تبتعد (وتتسارَع ابتعاداً الآن) عن سائر “المجموعات”؛ لأنَّ الفضاء بين “مجموعات المجرَّات” هو الذي يتمدَّد.

وبحسب مثال “البالون قَيْد النَفْخ (أو التمدُّد)”، ليس الكون (كل الكون.. كل المادة والكتلة والطاقة والنجوم والمجرَّات وعناقيد المجرَّات والفضاء والفراغ والمكان والزمان..) سوى “السطح الخارجي” من هذا “البالون”؛ وهذا “السطح”، أو “الغشاء المطَّاطي للبالون”، هو “المكان” بأبعاده الثلاثة (الطول، والعَرْض، والارتفاع) والذي يَضُم (ويجب أن يَضُم) كل شيء. ولو وُجِدَ “شيءٌ” في خارج هذا “المكان”، أي في خارج حدود “السطح الخارجي للبالون الكوني”، فلن يكون جزءاً من كوننا؛ لأنَّ تأثيره (الفيزيائي) في كوننا، أو تأثير كوننا فيه، هو ضرب من المستحيل.

لقد رَأيْنا، بدءاً من هابل، ما يقيم الدليل على أنَّ “البالون الكوني” يتمدَّد، أي يَكْبُر حجماً. وأنتَ يكفي أنْ ترى “بالوناً يتمدَّد” حتى تَسْتَنْتِج أنَّ هذا “البالون المتمدِّد” كان في حجمٍ أصغر. وقد تقول، في استنتاجِكَ، أنَّ حجمه كان أصغر عشر مرَّات، أو مائة مرَّة، أو مليون مرَّة.

إنَّكَ حتى الآن لم تَخْرُج من حيِّز “الفيزياء” و”التفكير الفيزيائي”؛ لأنَّكَ لم تصل بَعْد، في استنتاجِكَ، إلى “الإلغاء المُطْلَق” لـ “الحجم”، كأنْ تقول إنَّ حجم هذا “البالون” يمكن أن يتقلَّص، وينكمش، ويتضاءل، حتى يغدو “صفراً”، أي حتى يصبح البالون “عديم (أو صفري) الحجم”.

أُنْظُرْ إلى هذه الكرة المطَّاطية الضخمة. إنَّ لها “كتلة”، و”حجماً”، و”كثافةً”. اضْغطها الآن، واسْتَمِر في ضَغْطها، فترى الآتي: كتلتها لم تزدد ولم تنقص، حجمها تقلَّص وازداد تقلُّصاً، كثافتها، بالتالي، زادت واستمرت في الازدياد.

Sent iPadn Ť€©ћ№©¶@τ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: