كيف خُلِقَت “المادة” و”المادة المضادة” ؟

خَلْق “المادة” و”المادة المضادة”

قبل “الانفجار الكبير”، وعلى ما يزعمون، لم يكن من وجود للمادة، فلحظة ذلك “الانفجار” هي نفسها لحظة خَلْق “المادة” Matter مع توأمها ونقيضها “المادة المضادة” Antimatter.

لم يكن من وجود، على سبيل المثال، لجسيمات كالكوارك Quark والإلكترون Electron والبوزيترون Positron.

إنَّ كل ما نَعْرِف من جسيمات المادة ومن جسيمات المادة المضادة لم يكن له من وجود قبل “الانفجار الكبير”، الذي هو في منزلة “الخالق الفيزيائي” للمادة، أي لكل شيء.

وهذا الخالِق “العادل” خَلَق “المادة” و”المادة المضادة” بمقدارين متساويين، قبل أن تنتهي المعركة الكونية الكبرى بينهما إلى تحويل كل “المادة المضادة” إلى “طاقة خالصة”، وإلى تحويل كل “المادة”، “تقريباً”، وفي الوقت نفسه، إلى “طاقة خالصة”؛ فلقد نجا من تلك المعركة، ولسبب ما زال مجهولاً، مقدار لا يُذْكَر من جسيمات المادة، منه خُلِق كل شيء له كتلة. وبحسب قوانين فيزياء الجسيمات لا بدَّ للمادة والمادة المضادة من أن تُوْجَدا في الكون بمقدارين متساويين.

ولكن، كيف.. كيف خُلِقَت “المادة” و”المادة المضادة”؟

هل خلقها “الانفجار الكبير”، أي هذا “الإله الجديد”، الذي ألبسوه، هذه المرَّة، لبوساً “فيزيائياً”، لا شيء فيه من “الفيزياء”، من “لا شيء”.. من “العدم” Nothingness؟

في إجابتهم “العلمية الفيزيائية” المُبْتَكَرة عن هذا السؤال، قالوا إنَّ “حقلاً من الجاذبية” هو الذي تولَّى “المهمَّة”، فَخَلَقَ من “الفراغ” Vacuum كميتين متساويتين (في اللحظة عينها) من “المادة” و”المادة المضادة”.

وفي جوابهم عن السؤال عن “السبب” الذي أدَّى إلى حدوث “الانفجار الكبير”، لا نقف إلاَّ على قول من قبيل “إنَّ شيئاً ما هو الذي تسبَّب في الانفجار”. وقد يُفسِّرون التمدُّد السريع للكون بُعَيْد “الانفجار” على أنَّه نتيجة الكثافة المفرطة لـ “الذرَّة البدائية”، أو “البيضة الكونية”.

الكون، عند ولادته، لم يكن بحجم حبَّة “غريب فروت”؛ لقد كان في حجم يقل ببلايين المرَّات عن حجم نواة ذرَّة الهيدروجين، فَلْتُقارِن، إذا ما أحبَبْت، بين حجم “الكون الوليد”، أو “الرضيع”، وبين حجم “الجنين البشري” عند لحظة تكوُّنه.

إنَّ حجم هذا الجنين، أو “البويضة الملقَّحة”، يفوق أضعافاً مضاعفة، وبملايين المرَّات، حجم “الكون الوليد”، الذي سرعان ما تمدَّد بسرعة تزيد مرَّات عدة عن سرعة الضوء، وفق حساباتهم.

“البيضة الكونية” ليست بشيء (ليست بجسم أو جسيم) له “كتلة”. إنَّها ليست كـ “الإلكترون”، أو “الكوارك”، أو “البروتون”. إنَّها “طاقة” Energy تحوَّلت إلى “جسيمات” عند “الانفجار الكبير”، فانحناء، أو تقوُّس، الفضاء هنا، أي في “البيضة الكونية”، هو الذي زوَّدها “طاقة”، تحوَّلت، عند وقوع هذا الانفجار، إلى “جسيمات (مادية متضادة)”.

هذا بعضٌ من الوصف، أو التعيين، لـ “البيضة الكونية”، بحسب بعض القائلين بنظرية “الانفجار الكبير” مِمَّن كانت لديهم الجرأة للتحدُّث عن هذا الشيء الذي كان موجوداً “قبل” وقوع “الانفجار الكبير”.

ليس مهمَّاً أن يقولوا إنَّ تلك “البيضة” لم تكن على هيئة شيء له “كتلة”، أو أنَّها كانت من “الطاقة الخالصة”، فالمهم هو أن يفسِّروا لنا، ويعلِّلوا، “انحناء الفضاء” في “البيضة الكونية”.

إذا قُلْنا إنَّ “البيضة الكونية” التي كانت موجودة هناك “قبل” وقوع “الانفجار الكبير” اتَّسَمَت بـ “انحناء فضائها (انحناءً لا مثيل له لجهة شدَّته)”، فكيف يمكننا، بعد ذلك، أن نقول إنَّ “الانفجار الكبير” هو الذي خَلَق الفضاء؟!

إنَّ “الفضاء المنحني” هو أيضاً “فضاء”، فإذا كانت “البيضة”، “قبل” وقوع “الانفجار”، ذات “فضاء منحنٍ (انحناءً في منتهى الشِدَّة أو القوَّة)”، فليس من المنطق في شيء أنْ يُزْعَم، بعد ذلك، وبسبب ذلك، أنَّ “الانفجار” هو الذي خَلَق “الفضاء (والمكان)”.

أمَّا إذا قلنا إنَّ “البيضة” لم تكن بشيء على هيئة “كتلة”، وإنَّها كانت من “الطاقة الخالصة” فحسب، وإنَّ “الانفجار” هو الذي خَلَق “الفضاء (والمكان)”، فكيف يمكننا، عندئذٍ، تفسير وتعليل وجود هذه الطاقة المركَّزة تركيزاً لا مثيل له، لجهة شدَّته، مع الزعم، في الوقت نفسه، بأن لا وجود بَعْد لـ “فضاءٍ” حتى ينحني، ويتقوَّس، حَوْل هذه “البيضة الطاقيَّة”؟!

هل يحتالون، في إجابتهم، فيزعمون، مثلاً، أنَّ “الفضاء” يُوْلَد أوَّلاً، ثمَّ ينحني حَوْلَ “الكتلة”، أو “الطاقة شديدة التركيز”.. وأنَّ “الطاقة الخالصة المركَّزة” في “البيضة الكونية” يمكن أن تُوْجَد حتى “قبل” وجود الفضاء نفسه؟!

آينشتاين، في “النسبية العامة”، لم يتحدَّث عن “استحالة واحدة”، وإنَّما عن “استحالتين اثنتين”، فإذا كان “الفضاء بلا مادة (أي بلا كتلة وطاقة)” هو شيء مستحيل الوجود، فإنَّ وجود “طاقة مركَّزة تركيزاً شديداً”، في تلك “البيضة”؛ ولكن بلا فضاء، لا يقل استحالة!

“حقل الجاذبية”، أكان خاصَّاً بجسم كوني (نجم مثلاً) أم بالكون نفسه، إنَّما هو ذاته “الزمكان” Space – Time. وزوال “حقل الجاذبية” إنَّما هو ذاته زوال “الزمكان”.. زوال الزمان والمكان.

والاستنتاج الذي لا مفرَّ منه، بحسب “النسبية العامة” لآينشتاين، هو الآتي: لا وجود لـ “المادة” حيث لا وجود لـ “الزمان” و”المكان”، في وحدتهما التي لا انفصام فيها أبداً؛ ولا وجود لـ “الزمان” و”المكان” حيث لا وجود لـ “حقل الجاذبية”؛ ولا وجود لـ “المادة”، بالتالي، حيث لا وجود لـ “حقل الجاذبية”.

الجاذبية هي التي باشتدادها “يتقلَّص” المكان، و”يتمدَّد”، أي يبطؤ، الزمان. والمكان الذي في منتهى التقلُّص هو أيضاً مكان؛ والزمان الذي في منتهى التمدُّد هو أيضاً زمان. المكان الذي في منتهى التقلُّص هو أحد أشكال وصور المكان؛ والزمان الذي في منتهى التمدُّد هو أحد أشكال وصور الزمان. وعليه، نقول “المكان الأكثر تقلُّصاً”، ويجب، بالتالي، ألاَّ نقول “المكان الصفري”؛ ونقول “الزمان الأكثر تمدُّداً”، ويجب، بالتالي، ألاَّ نقول “الزمان الصفري”.

طور “التضخُّم”

“القوى الأساسية الأربع” في الكون كانت، بحسب تصوُّرهم الكوزمولوجي الذي يعتريه كثير من التناقض المنطقي أيضاً، مندمجة، متَّحِدةً، منصهرةً؛ لقد كانت “قوَّة واحدة”، فإذا بـ “الجاذبية” Gravity تنفصل عنها، وتنشق. وهكذا استقلَّت “الجاذبية” أوَّلاً. ثمَّ استقلَّت وانفصلت “القوَّة الشديدة” Strong Force، التي تجعل “نواة الذَّرة” متَّحِدةً، متماسكةً. ومع انفصالها، بدأ طور “التضخُّم (أو الانتفاخ)” Inflation، ثمَّ شرع الكون “يتمدَّد”.

وما أن انتهى طور “التضخُّم” حتى عَرَف الكون (الذي استمرَّ في التمدُّد والاتِّساع) من جسيمات المادة (والمادة المضادة) الأساسية والأوَّلية “الكوارك”، و”الكوارك المضاد”، و”الإلكترون”، و”البوزيترون”؛ وعَرَفَ، أيضاً، “جسيمات غريبة” Exotic Particles. وفي خلال الثانية الأولى بعد “الانفجار الكبير”، عَرَف الكون من الجسيمات: “الفوتون”، و”الكوارك”، و”النيوترينو”، و”الإلكترون”؛ ثمَّ عَرَف منها: “البروتون” و”النيوترون”.

إنَّ بعضاً من هذا “التناقض المنطقي” نقف عليه في قولهم “مع انفصال القوَّة الشديدة بدأ طور التضخُّم”، ثمَّ في قولهم “ما أنْ انتهى طور التضخُّم حتى عرف الكون الكوارك..”.

إنَّ عليهم، إذا ما أرادوا تجاوز هذا “التناقض المنطقي”، أنْ يُثْبِتوا أنَّ “القوَّة الشديدة” يمكن أن تُوْجَد حتى قبل وجود “الكوارك”؛ أمَّا إذا أعْجَزَتْهُم الحقائق الفيزيائية عن إثبات ذلك فكيف لهم، في هذه الحال، أن يستمروا في زعمهم أنَّ “القوَّة الشديدة” وُجِدَت أوَّلاً إذ انفصلت عن تلك “القوَّة الواحدة”، بعد انفصال “الجاذبية”، فبدأ “طور التضخُّم”، الذي مع انتهائه ظَهَر “الكوارك” إلى حيِّز الوجود؟!

وعليهم أنْ يُثْبِتوا، أيضاً، أنَّ الكون في الحجم الذي كان عليه عند انتهاء “طور التضخُّم” يمكنه، من الوجهة النظرية الفيزيائية، أن يشتمل، مثلاً، على كل ما خُلِق من “الكواركات” و”الكواركات المضادة”!

الأزواج من الكواركات كانت من أهم المنتجات الأوَّلية لـ “الانفجار الكبير”، الذي أنْتَج ما يشبه “الفُرْن الكوني”، الذي فيه “طُبِخَت” أنواع كثيرة من الجسيمات. لقد أنتج هذا الانفجار، بدايةً، كل أنواع “جسيمات المادة الأوَّلية” على شكل أزواج، فأنتج، مثلاً، جسيم الكوارك مع جسيمه المضاد.

وكان كل كوارك يتصادم مع الكوارك المضاد، فيفني كلاهما الآخر، أي أنَّ كتلتيهما كانت تتحوَّل إلى “طاقة خالصة”، تُحْمَل (أو تُنْقَل) بعيداً بجسيمات، تسمَّى “فوتونات”.

ولقد انتهت هذه المرحلة من “الفناء المتبادل” إلى النتيجة الآتية: كوارك واحد فحسب (مصنوع من المادة العادية) يبقى بعد “الفناء المتبادل” لكل 10 بلايين زوج من الكواركات، أي لكل 10 بلايين كوارك وكوارك مضاد.

وهذا إنَّما يعني أنَّ ما يزيد عن 99.9 في المائة من “الكتلة” في الكون قد تحوَّل إلى “طاقة خالصة”، في نهاية مرحلة “الفناء المتبادل”. إنَّ كوننا اليوم، ومُذْ وضعت تلك الحرب بين المادة والمادة المضادة أوزارها، هو “كون طاقيٌّ (وليس كُتليٌّ)” بنسبة تزيد عن 99.9 في المائة.

و”الطاقة” إنَّما هي أحد وجهي “المادة”، فـ “المادة” إمَّا أن تكون على هيئة “كتلة”، وإمَّا أن تكون على هيئة “طاقة”. وتُحْمَل، أو تُنْقَل، “الطاقة” عَبْر جسيمات معيَّنة، عديمة الكتلة، أي تسير بسرعة الضوء، وتسمَّى “الجسيمات الحاملة (أو الناقلة) للقوى”. و”الفوتون” هو الجسيم عديم الكتلة، الحامل، أو الناقل، لـ “الطاقة (والضوء)”. إنَّه كـ “الرسول”، أو “المرسال”، لجهة علاقته بـ “القوَّة” Force.

“الفُرْن الكوني”، أي الكون عند نشأته من “الانفجار الكبير”، كان من “الطاقة الخالصة” Pure Energy التي منها كانت تُخْلَق جسيمات المادة وجسيمات المادة المضادة على شكل أزواج. درجة حرارة ذلك “الفُرْن” كانت مرتفعة بما يكفي لخلق تلك “الأزواج”، التي تملك كُتُلاً كبيرة، من “الطاقة الخالصة”. ولكن كل جسيم كان عاجزاً عن الاحتفاظ بكتلته بسبب تصادمه مع جسيمه المضادة، فالكتلة المتولِّدة عن “الطاقة الخالصة” كانت تتحوَّل سريعاً إلى “طاقة خالصة” محمولة بالفوتونات. ولمَّا برد الكون إلى حدٍّ معيَّن أصبح ممكناً أن يحتفظ الجسيم المادي بكتلته.

“الكوارك” و”الكوارك المضاد”، تصادما، فأفنى كلاهما الآخر، أي تحوَّلت “كتلتاهما” إلى “طاقة خالصة”. ومع ذلك، بقي فائض ضئيل من جسيمات المادة؛ ومن “الكوارك” في المقام الأوَّل. ومن هذا الفائض، أو من هذا النزر، من جسيمات المادة تكوَّنت مادة الكون التي نَعْرِف. ومع استمرار وتزايد برودة الكون (بسبب تمدُّده) تكوَّن “البروتون” و”النيوترون”؛ وكلاهما تكوَّن من ثلاثة كواركات.

وفي الثلاث دقائق الأولى من عُمْر الكون برد الكون بما يكفي لتكوين “نواة الذَّرة” من البروتونات والنيوترونات. ثمَّ تكوَّنت الذَّرة إذ أسَرَت “النواة” الإلكترونات الحُرَّة. ولقد كان الكون بعد الثانية الأولى من “الانفجار” في منتهى الحرارة أو السخونة (10 بليون درجة).

في تلك الدقائق الثلاث، تكوَّن البروتون، الذي هو نواة ذرَّة الهيدروجين، بعد الثانية الأولى من “الانفجار الكبير”. ثمَّ تكوَّن نظير الهيدروجين وهو الدوتيريوم من تَجَمُّع البروتونات والنيوترونات. وتكوَّنت، أيضاً، عناصر خفيفة أخرى، كان أهمها الهيليوم، الذي تتألَّف نواة ذرَّته من بروتونين ونيوترونين.

“التكوين الذرِّي” للكون في “طفولته المبكرة” كان على هيئة “بحرٍ من الإلكترونات (الحُرَّة) تسبح فيه نوى الذرَّات (نوى ذرَّات الهيدروجين والهيليوم)”. لقد كان “كوناً ذرِّياً”؛ ولكن “متأيِّناً”، فالإلكترونات كانت منفصلة تماماً عن نوى الذرَّات تلك؛ أمَّا فضاؤه فقد كان “فضاءً إلكترونياً”، أي مفعماً بتلك الإلكترونات الحُرَّة المنفصلة. ثمَّ أسَرَت نوى الذرَّات الإلكترونات الحُرَّة، فأصبح الفضاء صافياً نقياً شفَّافاً، فتمكَّنت “الفوتونات”، بالتالي، من الانتقال مسافات واسعة من غير أن تتفاعل مع المادة، أي من غير أن تَحْتَجِزها الإلكترونات الحُرَّة.

ومع وقوع الإلكترونات الحُرَّة في أسْر نوى الذرَّات تلك، أي مع تكوُّن “الذرَّات”، بدأ تأثير “الجاذبية” يظهر وينمو، فـ “الذرَّات” هي التكوين المادي الذي يبدي ميْلاً قوياً للخضوع والاستسلام لـ “الجاذبية”. وعليه، شرعت “الجاذبية” تَسْتَجْمِع وتُجمِّع “الذرَّات” في سُحُبٍ (غازيَّة) اشتعلت “البواطن” منها، أخيراً، فتكوَّن الجيل الأوَّل من النجوم.

هوكينغ Hawking يشير إلى أنَّ مقداراً كبيراً من “الثقوب السوداء” الصغيرة قد ظهر في الكون بُعَيْد، أو عقب، “الانفجار الكبير”. ويَزِن “الثقب” منها نحو 1000 مليون طن؛ وهذه الكتلة الضخمة نسبياً تتركَّز في حيِّزٍ يَعْدِل حجم البروتون.

“طور الطاقة” ظلَّ سائداً مهيمناً حتى بلغ عُمْر الكون 3000 سنة؛ ثمَّ انتهى هذا الطور ليبدأ “طور المادة”، والذي ما زال مستمراً، سائداً مهيمناً، حتى الآن.

ومع بدء “طور سيادة المادة”، قوي تأثير “الجاذبية” واشتد. وبفضل “الجاذبية”، وتعاظُم نفوذها، شرعت المادة تتكتَّل وتتجمَّع، فأسَرَت “نوى الذرَّات” الإلكترونات الحُرَّة، فتكوَّنت، بالتالي، ذرَّات الهيدروجين والهيليوم والليثيوم. وليس من فرق في عمل الجاذبية وسائر القوى في الطبيعة إذا ما كانت “المادة المضادة” Antimatter هي مسرح عملها، فالكون المصنوع من “المادة المضادة” لن يختلف عن كوننا لجهة عمل القوى الأساسية الأربع فيه. إنَّ “الذرَّة” من “المادة المضادة” ستختلف في كَوْنِ مضاد الإلكترون، وهو “البوزيترون” Positron، هو الذي يدور حَوْل نواة ذرَّته المؤلَّفة من بروتونات مضادة؛ ولكنَّها، أي تلك الذرَّة المضادة، لن تختلف عن الذرَّة العادية لجهة إنتاجها للضوء، فـ “الفوتون” Photon، أي جسيم الضوء، هو نفسه جسيمه المضاد.

بعد نحو 300 ألف سنة من “الانفجار الكبير”، برد الكون، بسبب تمدُّده، بما يكفي لتكوُّن ذرَّات محايدة، عَبْر اتِّحاد الإلكترونات (الحُرَّة) مع نوى ذرَّات الهيدروجين والهيليوم (والليثيوم). وبعد نحو مليون سنة من “الانفجار الكبير”، تكوَّنت النجوم والمجرَّات؛ ومنذ ذلك الحين والكون مستمرٌ في نموِّه، حجماً وبرودةً.

وبفضل أسْر الإلكترونات الحُرَّة في تلك الذرَّات، شَفَّ الفضاء، أي أصبح “شَفَّافاً”، خالياً من “الإلكترونات الحُرَّة” التي كانت “تَفْتَرِس” الضوء، أو الفوتونات. لقد أصبح الآن في مقدور الفوتونات أن تسافِر في حرِّيَّة عَبْر الفضاء، فامتلأ الكون بهذا الإشعاع المسمَّى “إشعاع الخلفية الكونية” Cosmic Microwave Background Radiation. وبعد مليوني سنة، بدأ تكوُّن “المجرَّات”.

الكون عند ولادته كان كثيفاً جدَّاً، وحاراً جدَّاً؛ وعليه، كان “مسرِّع جسيمات” لا مثيل له. لقد كان كـ “حساءٍ”، إناؤه “الفضاء”، الذي كلَّما تمدَّد واتَّسَع برد “الحساء”، الذي كان مؤلَّفاً من جسيمات (مادية) نشيطة، أي مفعمة بالطاقة، ومن “فوتونات”. وهذا “الحساء” إنَّما كان، في معظمه، مقداراً عظيماً من “الطاقة”، التي تركَّزت في ذلك “الإناء”، أي في ذلك الحيِّز الفضائي الصغير جدَّاً، فكانت، بالتالي، في منتهى “الكثافة”.

وفي هذا “الحساء الطاقيِّ”، كانت “الكتلة” على هيئة أزواج من جسيمات المادة وجسيمات المادة المضادة تنشأ في استمرار، من “الطاقة الخالصة”، فتتصادم هذه الجسيمات وتلك، متبادِلةً الفناء، فتتحوَّل “الكتلة” إلى “طاقة خالصة”، ثمَّ تبدأ دورة جديدة.

وبعد نحو سنة من “الانفجار الكبير”، تمدَّد “الإناء الفضائي” بما يكفي لجعل “الحساء” في برودة، يتوقَّف عندها تفاعُل “الفوتونات” مع “المادة”. ولقد استمر هذا “الغاز” من الفوتونات (= إشعاع الخلفية الكونية) في البرودة حتى بلغت درجة حرارته 3 درجات كالفن.

مادة الكون، على ما نراها اليوم، “مُتَكَتِّلة”، أي على هيئة “كُتَل”، بعضها كبير، وبعضها صغير، بعضها في منتهى الكِبَر، وبعضها في منتهى الصِغَر. هذه الظاهرة الكونية، أي ظاهرة “تَكَتُّل” مادة الكون مع تفاوت واختلاف “تَكَتُّلها”، أثارت حيرة ودهشة علماء الكون؛ ولو عُرِفَ السبب، أي سبب حيرتهم ودهشتهم، لبَطُل العجب؛ فهم افترضوا، أو تخيَّلوا، أو تصوَّروا، مادة الكون، عند نشأته وولادته، بعد “الانفجار الكبير”، على أنَّها كانت (أي يجب أن تكون على ما اعتقدوا) رقيقة، ناعمة، في منتهى الرقَّة والنعومة، ومتجانسة، متماثلة، رقَّةً ونعومةً، حيث وُجِدَت، وفي كل نواحي الكون وأجزائه.

وعليه، تساءلوا، في حيرة ودهشة، عن السبب الذي جعلها “تتكتَّل”، وتتفاوت في “تكتُّلها”. تساءلوا، في حيرة ودهشة، قائلين: “كيف لهذه المادة الرقيقة الناعمة، المتجانسة رقَّة ونعومةً، في كل مكان وموضع في الكون، أن تصبح “متكتِّلةً”؟!”.

إنَّهم لم ينسوا “الجاذبية الكونية” وهم يعبِّرون عن حيرتهم ودهشتهم؛ ولكنَّهم لم ينظروا إليها على أنَّها قوَّة لـ “تكتُّل” المادة؛ لأنَّ عملها هذا يتعطَّل في كونٍ وُلِدَ بمادة في منتهى التجانس والتماثل لجهة رقَّتها ونعومتها.

وتوصُّلاً إلى حلٍّ مُرْضٍ لهذه “المشكلة”، التي خلقوها إذ تصوَّروا مادة الكون الوليد على أنَّها في هذا “التجانس المُطْلَق”، رقَّةً ونعومةً، شرعوا ينظرون إلى هذه الظاهرة الفيزيائية الكونية بعين غير عين الميتافيزياء، فقالوا، افتراضاً أيضاً، إنَّ مادة الكون الوليد لم تكن متجانسة تجانساً مُطْلَقاً، في رقَّتها ونعومتها، وإنَّ شيئاً من “التكتُّل”، ولو في منتهى الضآلة، كان يعتريها.

كان يمكن أن يقوا أنفسهم شرَّ هذا الاضطراب في النظر والتفكير لو أنَّهم تمثَّلوا فكرة دياليكتيكية في منتهى الأهمية النظرية والبحثية والعملية، وهي أنْ لا وجود لـ “الخالص (النقي، الصافي، المُطْلَق)” من الأشياء والظواهر، فالكون، مهما رقَّت مادته ونعمت (لدى نشأته) تظل منطوية، مشتملة، على شيء من “التكتُّل”، فـ “التفاوت”، ولو كان في منتهى الضآلة، إنَّما هو قانون كوني شامل ومُطْلَق. والكون، مهما “تكتَّلت” مادته (اليوم) تظل منطوية، مشتملة، على شيء من الرقَّة والنعومة.

لِنَفْتَرِض الآن الافتراض الصحيح وهو أنَّ مادة الكون كانت، عند ولادته، في منتهى الرقَّة والنعومة؛ ولكنَّ شيئاً (ولو في منتهى الضآلة) من “التكتُّل” كان يعتريها؛ وكان ينبغي له أن يعتريها. هذا التفاوت في رقَّة ونعومة مادة الكون الوليد هو ما يصلح الآن تفسيراً وتعليلاً لظاهرة “نمو مادة الكون تكتُّلاً”، فـ “تكتُّلها” كان “جنيناً” في رحم رقَّتها ونعومتها، فشرع هذا “الجنين” ينمو؛ وعليه، بلغت مادة الكون ما بلغته، اليوم، من “تكتُّل (متفاوت)”. أمَّا “المناخ” الذي فيه شرع المَيْل إلى “التكتُّل” ينمو ويقوى ويشتد فهو “البرودة”، أي برودة الكون، واستمرار وتعاظم برودته، والتي هي النتيجة والعاقبة الحتمية لتمدُّده، ولتعاظم تمدُّده.

عندما كانت مادة الكون الوليد (المتجانسة تجانساً ليس بمُطْلَق في رقَّتها ونعومتها) في منتهى الحرارة والسخونة ما كان ممكناً أن تنجح “الجاذبية الكونية” في تأدية عملها على خير وجه، فلمَّا بردت، وازدادت برودة، تمكَّنت تلك الجاذبية من جعل مادة الكون “تتكتَّل”، وتنمو “تكتُّلاً”. قِطَع مادة الكون (الباردة، والمتزايدة برودةً) تجاذبت؛ وكلَّما تجاذبت قطعتين، أو أكثر، تكوَّن جسم، كبير الكتلة نسبياً، فشرع هذا الجسم (أو القطعة الكبيرة) يجتذب إليه مزيداً من المادة.

لقد افترضوا أخيراً الافتراض الصحيح وهو أنَّ مادة الكون الوليد كانت، على رقَّتها ونعومتها، تنطوي على شيء (ولو في منتهى الضآلة) من “التكتُّل”؛ ولكنَّهم سرعان ما عادوا ينظرون إلى هذا الذي قالوا به، أخيراً، بعين الميتافيزياء، فتساءلوا في حيرة ودهشة أيضاً عمَّا تسبَّب بهذا الشيء الضئيل من “التكتُّل”. إنَّ البحث عن هذا السبب مضيعة للوقت والجهد، فلا سبب إلاَّ السبب الآتي: لا وجود أبداً لـ “الخالص” من الأشياء والظواهر.

في البدء لم يكن من وجود لـ “الذَّرة”، فالإلكترونات الحُرَّة، والبروتونات، والنيوترونات، هي التي كانت موجودة. وكل بروتون (الذي هو “نواة ذرَّة” الهيدروجين) كان منفصلاً عن سائر البروتونات. وبعد مضي 30 دقيقة على “الانفجار الكبير”، تحوَّل ما نسبته 25 في المائة من مادة الكون (أو من البروتونات، أو من نوى ذرَّات الهيدروجين) إلى هيليوم، أي إلى نوى ذرَّات الهيليوم. بعد ذلك، وفي بواطن النجوم، خُلِق مزيد من الهيليوم. مادة الكون، ولدى تكوُّنه، كانت، في معظمها، من ذرَّات الهيدروجين؛ وفي بقيتها الباقية كانت من ذرَّات الهيليوم، ومن مقدار ضئيل من ذرَّات الليثيوم.

وهذا “الخليط الذرِّي” من الهيدروجين والهيليوم والليثيوم بدأ (بفضل “الجاذبية”) يتكتَّل ويتجمَّع ويتركَّز في الفضاء على شكل “سُحُبٍ ضخمة”؛ ولقد ضُغِطَت كل “سحابة”، وانكمشت، حتى اشتعل باطنها، فَوُلِد جسم كوني، يُطْلِق الحرارة والضوء، هو “النجم”، الذي من أمثاله تكوَّنت “المجرَّة”.

والهيدروجين هو العنصر الكيميائي الذي باندماج نوى ذرَّاته في باطن النجم يُطْلِق المقدار الأعظم من الطاقة. وفي بواطن النجوم يُنْتَج قسم كبير من العناصر (الكيميائية) الأثقل من الهيدروجين والهيليوم، كالكربون، والأوكسجين، والسليكون، والكبريت، والحديد. أمَّا العناصر الأثقل من الحديد فتُنْتَج في الطبقات الخارجية للنجم الضخم جدَّاً، أو في انفجار “المستعِر الأعظم” Supernova من النجوم.

النيوترونات انضمت إلى البروتونات في تكوين نوى ذرَّات الهيدروجين والهيليوم؛ أمَّا ما بقي منها مستقلاًّ منفصلاً فقد انْحَلَّ وتفكَّك، فنشأ عن انحلال وتفكُّك النيوترونات جسيمات أخرى هي البروتونات، والإلكترونات، والنيوترينوات المضادة. مع اتِّحاد بعض من النيوترونات بالبروتونات، أي بنوى ذرَّات الهيدروجين، تكوَّنت نوى ذرَّات الديوتيريوم، الذي اتَّحَد معظمه، فتكوَّن الهيليوم.

“الانفجار الكبير” أشعل فتيل حرب كبرى بين جسيمات المادة وجسيمات المادة المضادة، فكانت النتيجة أنْ تحرَّر 99.97 في المائة من الطاقة في الكون في السنة الأولى من عُمْرِه. لقد انتهت المعركة بين الجسيمات (من المادة والمادة المضادة) إلى سيادة المادة؛ وإنْ ظلَّ السبب مجهولاً، أو محل أخذ ورد بين الكوزمولوجيين والفيزيائيين.

قبل ذلك، كانت جسيمات المادة وجسيمات المادة المضادة تُخْلَق وتفنى في استمرار. وفناؤها المتبادل، الناتج عن تصادمها، إنَّما يعني تحوُّلها إلى “طاقة خالصة”. أمَّا خلقها فكان دائماً متساوياً من الوجهة الكمية، فالإلكترون والبوزيترون، مثلاً، كانا يخلقان بمقدارين متساويين.

في البدء، أي عندما كان الكون في منتهى الصِغَر، كانت “الطاقة” في منتهى “الكثافة”، فترتَّب على ذلك خَلْقاً وفناءً مستمرين للأزواج من المادة والمادة المضادة. ولسبب ما زال مجهولاً، وُجِدَت جسيمات المادة بمقدار يزيد قليلاً، وقليلاً جدَّاً، عن مقدار جسيمات المادة المضادة، ففي مقابل كل بليون جسيم من المادة المضادة وُجِدَ بليون جسيم وجسيم واحد من المادة العادية.

وكلَّما تمدَّد الكون هبطت درجة حرارته؛ وبعد ثانية واحدة من “الانفجار الكبير” تمدَّد الكون بما جعل درجة حرارته (أي درجة برودته) لا تكفي لخلق مزيدٍ من جسيمات المادة وجسيمات المادة المضادة، فاستمرت “عملية الفناء المتبادل (= التحوُّل إلى “طاقة خالصة”)” وتوقَّفت “عملية إعادة خلق المادة والمادة المضادة” من “الطاقة الخالصة”، فالعملية الأخيرة تحتاج إلى درجة حرارة كونية أعلى. وهذا إنما يعني أنَّ برودة الكون إلى حدٍّ معيَّن لا تمنع عملية الإبادة المتبادلة بين جسيمات المادة والمادة المضادة ونشوء الطاقة الخالصة بالتالي؛ ولكنها تمنع إعادة خلق مادة ومادة مضادة من هذه الطاقة.

أخيراً، وباستثناء مقدار في منتهى الضآلة من جسيمات المادة العادية، تحوَّلت (عبر التصادم والفناء المتبادل) كل المادة والمادة المضادة إلى “إشعاع”، أو “طاقة خالصة”، أي إلى “فوتونات”.

ولولا ذلك المقدار الضئيل جدَّاً من المادة العادية لأصبح الكون كله مؤلَّفاً من ضوء، ومن فضاء فارغ، فهبوط درجة حرارة الكون، بسبب تمدُّده، يمنع إعادة خلق الجسيمات ذات الكتلة (من المادة والمادة المضادة).

ولضآلة هذا المقدار المتبقي من المادة العادية نستطيع القول إنَّ كل المادة والمادة المضادة، “تقريباً”، قد تحوَّل إلى “طاقة خالصة (= فوتونات)”، أو إشعاع. وهذا الإشعاع هو ما نسميه “إشعاع الخلفية الكونية”. إنَّه إشعاعٌ متماثل (على وجه العموم) كثافةً وشِدَّةً، يأتي من كل اتِّجاه في الكون، أو الفضاء. وطاقة هذا الإشعاع، أو الضوء، هي الآن أقل 1000 مرَّة ممَّا كانت عليه من قبل.

هذا الإشعاع مع تلك الكمية الضئيلة جدَّاً من المادة (العادية) هو النتيجة النهائية التي تمخَّضت عنها تلك المعركة الكونية الكبرى بين جسيمات المادة وجسيمات المادة المضادة.

إنَّ شيئاً من الإشعاع أو الطاقة لم، ولن، يفقده، أو يخسره، كوننا؛ ذلك لأنَّ كل مادة الكون، أي كل كتلته وطاقته وإشعاعه، يظل حبيس “الجدار الحديدي (أُفْق الحدث Event Horizon)” للكون.

الكون الآن ليس في حالٍ من “التماثُل الحراري”، فحرارة الشمس، مثلاً، تفوق كثيراً حرارة كوكب الأرض؛ وحرارة باطن الشمس تفوق كثيراً حرارة سطحها. وكل جسم كوني، تراه مختلفاً حرارةً، أو برودةً، عن غيره، فهو أكثر سخونةً من هذا، وأقل سخونةً من ذاك. وللفضاء بين الأجسام الكونية (بين النجوم أو بين المجرَّات..) حرارته (أو برودته) هو أيضاً.

أمَّا “إشعاع الخلفية الكونية” فهو “الحرارة” التي خلَّفها “الانفجار الكبير” نفسه. إنَّها البقية الحرارية الباقية من تلك “المادة الكثيفة الحارة”، أي من “البيضة الكونية” التي “انفجرت”. وهذه “البقية الحرارية”، أو “إشعاع الخلفية الكونية (البارد جدَّاً)”، تَغْمُر، اليوم، وتَعُم، الكون كله.

وعليه، نرى أنَّ درجة حرارة الفضاء (= درجة برودته) لا تختلف (تقريباً) في كل نواحيه. وكلَّما تمدَّد الفضاء أكثر زاد برودةً، أي انخفضت أكثر درجة حرارة “إشعاع الخلفية الكونية”، التي هي اليوم 2.728 درجة فوق “الصفر المُطْلَق”.

ملاحَظَة “هابل”

مِنْ ملاحظَة لاحظها هابل Hubble نشأت فكرة “تمدُّد الكون”؛ ولقد لاحظ هابل، على ما نعرف، أنَّ كل مجرَّة ترتد بعيداً عن سائر المجرَّات، أي أنَّ المسافة بين مجرَّة ومجرَّة تزداد وتتَّسِع في استمرار. و”طريقة التفكير” في هذه الملاحظَة هي ما قاد إلى نظرية “الانفجار الكبير” Big Bang.

لقد تصوَّروا تاريخ الكون على أنَّه فيلم طويل، نرى مشاهده وأحداثه تتتابع من الماضي نحو المستقبل، فتساءلوا عمَّا يمكن أن يُرى إذا ما شُوهِد هذا الفيلم في اتِّجاه عكسي، أي بدءاً من مشهده الحاضر وصولاً إلى مشهده الأوَّل، أو الأكثر بُعْداً في الماضي الكوني.

افْتَرضوا، إذ أخذوا بهذه الطريقة في التفكير والنظر، أنَّهم سيشاهدون المجرَّات وهي تزداد اقتراباً من بعضها بعضاً، وصولاً.. وصولاً إلى انسحاقها وانصهارها في “جسم كروي في منتهى الصِغَر حجماً، وفي منتهى العِظَم كثافةً”، هو “البيضة الكونية” Singularity.

المجرَّات، وعلى ما نَفْتَرِض ونتوقَّع، يجب أن تجتاز جميعاً أطواراً متشابهة (عموماً) من التطوُّر. وبحسب الطور الذي عليه مجرَّة ما الآن يمكن تقدير عُمْرَها؛ كما يمكن إدراج المجرَّات في فئات عُمْرِية مختلفة (مجرَّات في طور الطفولة، ومجرَّات في طور الشباب، ومجرَّات في طور الشيخوخة).

المجرَّات الأقرب إلينا يجب أن تكون في الطور الأعلى من تطوُّرها، والذي يمكن أن ننظر إليه على أنَّه “طور الشيخوخة”؛ ولكن في المعنى النسبي لـ “الشيخوخة”. أمَّا المجرَّات الأبعد فيجب أن تكون في الطور الأوَّل من تطوُّرها، وفي “طور الطفولة” بالتالي.

لِنَفْتَرِض أنَّ المجرَّة X هي المجرَّة الأبعد عنَّا، أي عن الكرة الأرضية، أو عن مجرَّتنا، وأنَّها تبعد عنَّا 20 بليون سنة ضوئية، وأنَّ الكون قد وُلِدَ قبل 20 بليون سنة، وأنَّ عُمْره، بالتالي، 20 بليون سنة.

إذا صحَّت نظرية “الانفجار الكبير”، في بعضٍ من أركانها، فلا بدَّ، عندئذٍ، من أن نظل إلى الأبد نرى المجرَّة X بوصفها المجرَّة الأبعد عنَّا، أي أنَّنا مهما طوَّرنا وحدَّثْنا تليسكوباتنا الفضائية لن نرى أبداً جسماً كونياً آخر يبعد عنَّا أكثر من تلك المجرَّة. لن نرى أبداً شيئاً أخر يقع عند “حافَّة” الكون (في معناها النسبي) غير المجرَّة X. والتليسكوب، على وجه العموم، لا يرينا إلاَّ الشيء الذي صورته الضوئية في مجال عيوننا المجرَّدة.

كذلك لا بدَّ لنا من أن نرى المجرَّة X في “طور الطفولة”، أي في الطور الأوَّل من تطوُّرها. ولو كان تطوُّر المجرَّات على هيئة هرم فإنَّ المجرَّة X يجب أن تكون في قاعدته؛ أمَّا المجرَّة الأقرب إلينا فيحب أن تكون في قمَّته.

“النظرية”، أي نظرية “الانفجار الكبير”، يمكن ويجب أن تنهار تماماً إذا ما رأيْنا في الجزء الأقصى من الكون مجرَّات تشبه المجرَّات الأقرب إلينا في درجة تطوُّرها، أو إذا ما رأيْنا في جوارنا الكوني مجرَّات تشبه المجرَّة X في درجة تطوُّرها. إنَّ “قمَّة” الهرم يجب أن تكون في الجزء الكوني الأقرب إلينا، و”قاعدته” في الجزء الكوني الأبعد عنَّا.

ولمزيدٍ من التوضيح، دعونا نَفْتَرِض أنَّ الكون، في طفولته، كان يتألَّف من ثلاثة بنَّائين، شرع كل منهم يبني عمارة؛ ولقد تمدَّد الكون حتى بلغ الحجم الذي هو عليه الآن.

إذا نظرتُ أنا من بنايتي المؤلَّفة من عشرة طوابق، في الفضاء، فيجب أن أرى البناية الأبعد مؤلَّفة من طابق واحد؛ والبناية الأقرب مؤلَّفة من سبعة طوابق؛ مع أنَّ كل بناية من البنايات الثلاث تتألَّف “الآن” من عشرة طوابق. يجب ألاَّ أرى البناية الأبعد تتألَّف من عشرة طوابق، أو أكثر؛ ويجب ألاَّ أرى البناية الأقرب تتألَّف من طابقين اثنين، أو أقل.

إنَّ “الأحْدَثَ (من الأجسام الكونية)” لن أراه، أي يجب ألاَّ أراه، في “الأبعد”؛ وإنَّ “الأقدم” لن أراه، أي يجب ألاَّ أراه، في “الأقرب”. في “الأبعد مكاناً” يجب أن أرى ما يشبه “مكاني” في “ماضيه السحيق”.

نشوء وتطوُّر نظرية “الانفجار الكبير”

في مستهل القرن العشرين، كان معظم العلماء يشعرون أنَّهم “يعرفون” كيف بدأ الكون، أي أنَّهم كانوا يعرفون أنْ ليس للكون من بداية (في الزمان). كان تصوُّرهم هو أنَّ الكون (الذي نرى) قد وُجِدَ منذ الأزل، وسيظل موجوداً إلى الأبد، فـ “زمن وجود الكون” لا نهاية له، لا في الماضي ولا في المستقبل. ولقد توفَّر كثير من الكوزمولوجيين على إنشاء وتطوير نظريات تقوم على فكرة أنْ ليس للكون من بداية.

القس والكوزمولوجي البلجيكي لاميتر Lemaître مهَّد لفكرة “الانفجار الكبير” إذ تحدَّث عن ضرورة وجود “بداية” للكون. لقد افْتَرَض أنَّ الكون قد نشأ من شيء صغير الحجم، سمَّاه “الذَّرة البدائية” Primeval Atom، التي كانت جسماً كروياً يزيد حجمه عن حجم الشمس ببضع عشرات المرَّات؛ ولكن سُحِقَت فيه كل مادة الكون. هذه “الذَّرة البدائية” انفجرت، متحوِّلةً إلى مقدار هائل جدَّاً من القطع (أو الشظايا) الصغيرة، التي ظلَّت تنقسم وتتجزَّأ وصولاً إلى الذرَّات التي نعرفها اليوم.

وإذا كان لاميتر قد تصوَّر نشوء الكون على أنَّه عملية انتقال من “المُركَّب (أو المُعقَّد)” إلى “البسيط” من المادة، أي من تلك “الذَّرة البدائية” إلى الذرَّات التي نعرفها اليوم، فإنَّ نظرية “الانفجار الكبير” تصوَّرته على أنَّه عملية معاكسة، انتقلت فيها المادة من “البسيط”، أو من “الأوَّلي”، إلى “المُركَّب”، أي إلى مادة تنمو تعقيداً في استمرار.

لاميتر، وفي فكرة “الذَّرة البدائية” التي جاء بها، والتي كانت البداية لنظرية “الانفجار الكبير”، تصوَّر المجرَّات على أنَّها “الشظايا” التي قذفها انفجار تلك “الذَّرة” بعيداً، فنشأت ظاهرة “تمدُّد الكون”، أي ظاهرة ارتداد كل مجرَّة عن سائر المجرَّات.

سنة 1948، طوَّر الفيزيائي جورج غاموا George Gamow من فكرة، أو نظرية، “الذَّرة البدائية”، نظرية “الانفجار الكبير”، أي نظرية أصل الكون ونشأته.

غاموا أوضح في نظريته الجديدة أنَّ الكون خُلِق من انفجار ضخم، وأنَّ العناصر المختلفة التي نراها في كوننا اليوم قد أُنْتِجَت في خلال الدقائق الأولى التي أعقبت “الانفجار الكبير” Big Bang حيث أدَّت درجة الحرارة العالية جدَّاً، مع الكثافة الهائلة، للكون إلى صهر الجسيمات دون الذَّرية، وخَلْق العناصر الكيميائية بالتالي.

وفي وقت لاحق، أشارت الأبحاث الفيزيائية إلى أنَّ عنصري الهيدروجين والهيليوم قد كانا المُنْتَجَيْن الأساسيين لـ “الانفجار الكبير” ذاته، ثمَّ تولَّت النجوم، في بواطنها، أي في “أفرانها النووية”، إنتاج العناصر الأثقل. ومع تمدُّد الكون، برد الهيدروجين والهيليوم، فتكثَّفا في نجوم ومجرَّات. ولقد فسَّرت النظرية الجديدة التمدُّد السريع للكون، بعد “الانفجار الكبير”، على أنَّه نتيجة “الكثافة العالية” في داخل “الذَّرة البدائية”.

ستيفن هوكينغ Stephen Hawking فَهِم “تمدُّد الكون”، أو “الكون المتمدِّد”، ولجهة علاقته النظرية بنظرية “النسبية العامة”، على أنَّه ظاهرة يجب أن تنشأ عن “بيضة كونية” Singularity، وعن “انفجار كبير” Big Bang، بالتالي.

وهذا الفهم اعْتُبِر “برهاناً نظرياً” على “الانفجار الكبير” جاء به هوكينغ. ولقد أوضح هوكينغ “برهانه النظري” هذا إذ قال إنَّ أي كون متمدِّد، يمكن أن تصفه وتشرحه “النسبية العامة” لآينشتاين، يجب أن يبدأ من تلك “النقطة”، أو “البيضة الكونية”، ومن “انفجار كبير” بالتالي. على أنَّ هذا “البرهان النظري” لم يمنع هوكينغ من أن يقول، أيضاً، إنَّ الكون يمكن أن يُوْلَد من دون تلك “النقطة” Singularity.

في مرآة “النسبية العامة”، وبحسب فهم كثير من الكوزمولوجيين لها، يَظْهَر الكون، لجهة أصله ونشأته وماضيه، في صورة من صورتين، فهو إمَّا أن يكون قديماً لا نهاية له في القِدَم، وإمَّا أن يكون قد بدأ من “بيضة كونية” Singularity. و”ضِمْناً”، فحسب، تشير “النسبية العامة”، بحسب ما يقوله أنصار نظرية “الانفجار الكبير”، أو بحسب اعترافهم، إلى أنَّ كوننا المتمدِّد قد نشأ عن “بيضة كونية”.

هوكينغ تحدَّث عن “احتمال (أو إمكانية) ثالث”، هو “الكون النهائي المحدود الذي لم يبدأ من بيضة كونية Singularity، والذي لا حدَّ له بالتالي”. ولكن كيف تكون هندسة Geometry هذا الكون “الذي لا حدَّ له”، أو بنيته الهندسية؟

إنَّها، بحسب هوكينغ، تشبه هندسة “سطح جسم كروي (كالكرة الأرضية)”، باستثناء أنَّ هذا الكون، أو سطحه، يملك أربعة أبعاد (ثلاثة مكانية والرابع هو الزمن). ويُنْظَر إلى “سطح” الجسم الكروي (كسطح الكرة الأرضية) على أنَّه مؤلَّف من بُعْدين اثنين هما الطول والعرض. ووجه التشابه إنَّما تراه عندما تسير حَوْل سطح الكرة الأرضية كله من غير أن تصل إلى ما يشبه “الحافة”.

Sent iPadn Ť€©ћ№©¶@τ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: