“البيضة الكونية” و”الثقب الأسود”

الفضاء الـ “ما ورائي” Hyperspace

على السطح الخارجي لبالون قَيْد النفخ، ضَعْ نملة، مُفْتَرِضاً أنَّها في منزلة الإنسان عقلاً وإدراكاً. أنتَ تراقِب النملة وانتفاخ البالون، فترى الحجم الداخلي للبالون ينمو، مع إدخال مزيدٍ من الهواء فيه؛ كما ترى البالون يكبر ويتمدَّد “ضِمْن” فراغ، أو فضاء.

لو سألْتَ النملة “أين (أو إلى أين) يتمدَّد البالون (أو هذا الكون الذي تعيش فيه)؟”، لأجابتكَ النملة قائلةً إنَّ سؤالكَ ليس بذي معنى؛ فهي لا ترى، ولا تُدْرِك، إلاَّ شيئاً واحداً فحسب هو أنَّ المسافة بين كل نقطتين على سطح البالون تزداد اتِّساعاً.

والجواب نفسه ستجيبكَ إيَّاه لو سألْتَها عن جوف (أو داخل) البالون، أي عن الفراغ، أو الفضاء، الذي في داخله، والذي ينمو ويكبر مع إدخال مزيدٍ من الهواء فيه. إنَّها لا تعرف شيئاً عن كل ما يمت بصلة إلى العالم الداخلي للبالون، فكل ما تعرفه، وتدركه، هو أنَّها تُوْجَد وتتحرَّك على سطحٍ يتألَّف من بُعْدين اثنين فحسب، هما “الطول” و”العرض”، فالبُعد الثالث، وهو “الارتفاع (أو العُمْق، أو السُمْك)”، لا وجود له بالنسبة إليها (أي بالنسبة إلى إدراكها ووعيها) مع أنَّه موجود فعلاً بالنسبة إليكَ.

النملة لا ترى سوى “الطول” و”العرض”؛ وهي تتحرَّك، أو قادرة على التحرُّك، على هذا السطح، إلى الأمام، وإلى الوراء، إلى اليمين، وإلى اليسار. إنَّها لا ترى شيئاً ممَّا يدلُّ على وجود البُعْد الثالث (الارتفاع) بالنسبة إليها، فهي غير قادرة أبداً على التحرُّك إلى أعلى، أو إلى أسفل.

أنتَ، وليس النملة، من يرى ويدرك وجود هذا البُعْد المكاني الثالث، فالبالون، على ما ترى وتدرك، يتمدَّد “ضِمْن” فضاء، أو فراغ، فثمَّة فضاء في خارج البالون، يتمدِّد فيه (أو إليه) البالون. وثمَّة فضاء آخر في داخل البالون، يتسع ويزداد حجماً مع إدخال مزيد من الهواء فيه.

هذا البُعْد المكاني الثالث، بوجهيه الخارجي والداخلي، لا وجود له في “كَوْن النملة”، بالنسبة إليها، فهي لا تراه، ولا تدركه، ولا يعنيها أمره شيئاً. إنَّه بالنسبة إليها الفضاء الذي لا ينتمي إلى كونها، وليس بجزء منه، لا يؤثِّر في كونها، ولا يتأثَّر فيه، ولا اتِّصال مهما كان بينه وبينها (أو بينه وبين كونها). وبالنسبة إليها يقع هذا الفضاء، أو يُوْجَد، في ما وراء كونها، وفي ما وراء “فضاء كونها”، والذي هو كل مسافة بين نقطتين على سطح البالون. إنَّه، بالنسبة إليها، الفضاء الـ “ما ورائي” Hyperspace.

البُعْد المكاني الثالث، أو الفضاء الـ “ما ورائي” Hyperspace، والذي يتألَّف من الفضاء الخارجي للبالون ومن فضائه الداخلي، لا وجود له بالنسبة إلى النملة وإدراكها، ولا يُعَدُّ، بالتالي، جزءاً من كونها.

أنتَ المراقِب تُدْرِك وجود هذا البُعْد المكاني الثالث؛ لأنَّكَ تعيش في كون يتألَّف من ثلاثة أبعاد مكانية. إنَّكَ تستطيع أن ترى أنَّ لهذا البالون حجماً محدوداً، وأنَّه يتمدَّد في البُعْد الثالث، وأنَّه ينطلق في تمدُّده من مركزه، الذي يقع في البُعْد الثالث.

في خارج (وحتى في داخل) البالون قد تُوْجَد بالونات أخرى. إنَّ هذه البالونات تقع جميعاً في البعد الثالث، أي في الفضاء الـ “ما ورائي”، بالنسبة إلى تلك النملة. هذه البالونات إنَّما هي أكوان أخرى لا وجود لها بالنسبة إلى النملة؛ لأنَّها لن تدرك أبداً وجودها، فالمكان المؤلَّف من بُعْدين اثنين (الطول والعرض) هو وحده المكان الموجود بالنسبة إلى النملة.

ونحن لا نختلف عن النملة إلاَّ في كوننا نعيش في كون يتألَّف سطحه من ثلاثة أبعاد مكانية (طول وعرض وارتفاع). ونحن، على سطح بالوننا الكوني، نستطيع أن نتحرَّك إلى الأمام، وإلى الوراء، إلى اليمين، وإلى اليسار، إلى أعلى، أي إلى فوق، وإلى أسفل، أي إلى تحت.

“الفضاء الآخر” Hyperspace لا وجود له، إنْ وُجِدَ فعلاً، بالنسبة إلينا؛ لأنَّه ليس بجزء من كوننا، أو فضائنا، فنحن مهما سِرْنا في فضائنا الثلاثي البُعد نحو الأسفل (أو إلى تحت) لن نصل أبداً إلى داخل بالوننا الكوني، أو مركزه، فهذا المكان ليس بجزء من كوننا؛ ونحن مهما سِرْنا نحو الأعلى (أو إلى فوق) لن نصل أبداً إلى الفضاء (الخارجي بالنسبة إلى كرتنا الكونية) الذي فيه (أو إليه) يتمدَّد كوننا، فهذا الفضاء هو أيضاً ليس بجزء من كوننا، أو فضائنا.

قد تُوْجَد بالونات، أو أكوان، أخرى في هذا الفضاء الـ “ما ورائي” Hyperspace بالنسبة إلينا؛ ولكنَّنا لن نملك أبداً من وسيلة للاتِّصال بها، فلا تفاعل، أو تأثير متبادل، من أي نوع بين كوننا وبينها.

في كوننا المؤلَّف من ثلاثة أبعاد مكانية، مهما سِرْتَ، في خطٍّ مستقيم، إلى الأمام، أو إلى الوراء، إلى اليمين، أو إلى اليسار، فإنَّكَ لن تصل أبداً إلى نهاية الكون، أو “حافَّته”، فنهاية الكون الوحيدة التي يمكنكَ أن تصل إليها إنَّما هي النقطة التي انطلقتَ منها، أي أنَّكَ ستعود لا محالة إلى نقطة البداية في رحلتكَ الكونية.

ومهما سِرْتَ، في خطٍّ مستقيم، إلى أعلى، أو إلى أسفل، فإنَّكَ لن تصل أبداً إلى نهاية الكون “الفوقية”، أو “التحتية”، أي إلى “الفضاء الذي فيه (أو إليه) يتمدَّد الكون”، أو إلى “الفضاء الذي منه انطلق التمدُّد الكوني”. إنَّكَ، وفي هذه الحال أيضاً، ستعود حتماً إلى النقطة التي انطلقتَ منها.

إنَّ كل فضاء (على افتراض أنَّه موجود فعلاً) لا يمكننا أبداً إدراكه، أو الاتِّصال به، أو التفاعل وتبادل التأثير معه، هو فضاء “ما ورائي” Hyperspace بالنسبة إلينا. إنَّه فضاء لا يُعَدُّ جزءاً من كوننا وفضائنا.

في الجسم الكروي فحسب (الكرة الأرضية مثلاً) نرى اجتماع “المحدود” Finite والـ “لا محدود” Infinite في المكان الثلاثي البُعْد. “الطول” و”العرض” إنَّما يجتمعان على “السطح” من “الجسم الكروي”، فنرى “المكان” هنا في صفة الـ “لا محدود”. وهذا إنَّما يعني أنَّكَ لو سِرْتَ على سطح جسم كروي، كالكرة الأرضية، في خطٍّ مستقيم، إلى الأمام أو إلى الوراء، إلى اليمين أو إلى اليسار، نحو القطب الشمالي أو نحو القطب الجنوبي، إلى الشرق أو إلى الغرب، فإنَّكَ لن تصل أبداً إلى “نهاية المكان”، أو إلى “نهاية (أو حافة) سطح الكرة الأرضية”؛ ولسوف تعود إلى النقطة التي منها انطلقت.

أمَّا “البُعْد الثالث (الارتفاع)” في الجسم الكروي فهو ما يكسبه صفة “المحدود (مكاناً)”. إذا أنتَ سِرْتَ، في خطٍّ مستقيم، من نقطة ما على سطح الكرة الأرضية نحو “العُمْق” فإنَّكَ ستصل إلى “مركز” الأرض، ثمَّ إلى نقطة على الجانب الآخر أو المقابل من سطح الأرض، ثمَّ إلى الفضاء الخارجي، الذي منه تستطيع أن ترى الأرض في حجم محدود. و”الكون” كـ “الكرة الأرضية، وكأيِّ “جسم كروي”، هو اجتماع “المحدود” والـ “لا محدود” من الوجهة المكانية.

لو سُئِلْتَ “أين هو مركز الكرة الأرضية؟”، لأجبْتَ قائلاً إنَّه يقع بعيداً عن سطحها. إنَّه لا يقع على سطحها. إنَّه يقع في داخلها، أو باطنها. وأنتَ يكفي أن تشير بإصبعكَ إلى أسفل، أو إلى تحت، حتى تشير إلى “مركز” الكرة الأرضية؛ ولكنَّكَ لن تشير أبداً إلى “مركز” الكون إذا ما أشرتَ بإصبعكَ إلى أسفل (أو إلى أعلى، إلى الشمال أو إلى الجنوب، إلى الشرق أو إلى الغرب) لأنَّ هذا “المركز” يقع بعيداً عن سطح بالوننا الكوني. إنَّه ليس بجزء من كوننا، الذي يقع كله، وبأبعاده المكانية الثلاثة، على “السطح” من بالوننا الكوني. إنَّه يقع في فضاء آخر؛ في فضاء ليس بجزء من كوننا، ولا من فضائنا الكوني؛ إنَّه يقع في الفضاء الـ “ما ورائي” Hyperspace بالنسبة إلينا، وإلى كوننا، والذي لا يمكننا أبداً الاتِّصال به في أي شكل من أشكال الاتِّصال الفيزيائي. إنَّه لا يُوْجَد في كوننا المؤلَّف من ثلاثة أبعاد مكانية.

والفضاء الذي يتمدَّد فيه (أو إليه) كوننا هو أيضاً ليس بجزء من كوننا، أو فضائنا. إنَّه الفضاء الـ “ما ورائي” Hyperspace، أو غير المرئي، والذي يقع بعيداً عن سطح بالوننا الكوني.

ثمَّة فضاء في داخل بالوننا الكوني؛ وثمَّة فضاء في خارجه؛ ولكن لا هذا الفضاء ولا ذاك يُعَدُّ جزءاً من كوننا. إنَّه موجود؛ ولكنَّه ليس موجوداً في كوننا. إنَّه بالنسبة إلينا، وإلى كوننا، الفضاء الـ “ما ورائي”، الذي لن نراه أبداً، ولن ندركه أبداً، ولن نتَّصِل به أبداً، وكأنَّه “الموجود غير الموجود”.

“الانفجار الكبير” Big Bang ليس بالانفجار العادي؛ لأنْ ليس من “مركز” له، يشبه مركز الانفجار في الألعاب النارية. وجه الشبه بين “الانفجار الكبير” وانفجار قنبلة يدوية، مثلاً، قد يكون “الشظايا”، و”تطايرها”.

وأنتَ يمكنكَ أن تتخيَّل “الشظايا الكونية وتطايرها” في طريقة أخرى، أي في طريقة “الانفجار الذي ليس له مركز”. تخيَّل أنَّ أمامكَ سطحاً منبسطاً من مادة ما، وأنَّ هذا السطح قد تمزَّق، بغتةً، متحوِّلاً إلى “حبيبات”، ابتعدت كل “حبيبة” منها عن سائر “الحبيبات” ابتعاداً متماثلاً في سرعته. في هذا الحادث المتخيَّل، ترى “الشظايا”، وترى هذا الشكل من “تطايرها”، من غير أن تبرز لديك الحاجة إلى السؤال عن “مركز” هذا “التمزُّق”، أو “الانفجار”.

عندما تنظر في السماء، أو الفضاء، ترى “الشظايا الكونية”؛ ولكنَّكَ لن ترى أبداً موضعاً، أو شيئاً معيَّناً، يسمح لكَ بأن تقول: “أنْظروا هذا هو مركز الانفجار الكوني.. من هنا بدأ هذا الانفجار”.

كل ما يمكنكَ قوله، عن صواب، إنَّما هو الآتي: هذا الشظية الكونية التي أراها هي الأكثر بُعْداً عن موقعي في الكون، وهي، بالتالي، الأقدم وجوداً. إنني أرى “صورة قديمة لها”. إنني أراها على الهيئة التي كانت عليها “بُعَيْد” وقوع “الانفجار”.

إنَّكَ في رؤيتكَ لتلك “الشظية الكونية الأبعد” لن ترى “أين وقع الانفجار”؛ ولكنَّكَ ترى “متى وقع (تقريباً)”، أي أنَّكَ “مركزه في الزمان”، وليس “مركزه في المكان”.

ويكفي أن تنظر إلى “الانفجار الكبير” على أنَّه يشبه التمزُّق المباغت لذلك السطح، والذي جعله “حبيبات متطايرة (متباعدة)”، حتى تقول في وصف “الانفجار الكبير”: لقد كان حادثاً حدث في كل مكان وزاوية من الفضاء، في اللحظة عينها، ولم يكن كانفجار قنبلة يدوية، انطلقت شظاياه كلها من “مركز واحد”.. “الانفجار الكبير” لم يقع في “داخل” كوننا؛ لأنْ ليس لكوننا من “داخل”.

والضوء الذي يأتينا من “المَصْدَر الكوني الأبعد (عنَّا)” إنَّما هو نفسه الآتي من “أُفْق الكون”. وعليه، يبعد عنَّا “أُفْق الكون” ما بين 15 و 20 بليون سنة ضوئية. إنَّه، أي “أُفْق الكون”، الأبعد في المكان، والأقدم في الزمان.

إذا افترضنا أنَّ عُمْر الكون 20 بليون سنة فهذا إنَّما يعني أن لا جسم في الكون يمكن أن يكون عُمْره أكثر من 20 بليون سنة. إنَّ أقدم جسم في الكون يجب أن يقل عُمْره عن 20 بليون سنة.

و”المعلومات” Information نتلقَّاها وتصِل إلينا عَبْر جسيمات عديمة الكتلة (الضوء) تسير في الفضاء بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية، فالضوء الذي نستقبله من الجسم الكوني X هو الذي يَحْمِل إلينا “معلومات” عنه.

بحسب نظرية “الانفجار الكبير”، لا وجود لكون آخر، فكوننا هو وحده الموجود. وعليه، يُعرَّف “الكون”، أو “كوننا”، على أنَّه “كل شيء”. ولو وُجِدَ كون آخر فإنَّ وجوده في حُكْم “اللا موجود”؛ لأنْ لا اتِّصال من أي نوع بينه وبين كوننا، فليس من جسيمات يمكن أن نستقبلها منه، أو يستقبلها مِنَّا.

وإذا ما تفاعل كونان (أي تبادلا تأثيراً فيزيائياً عبر جسيمات حاملة أو ناقلة لهذا التأثير) فهذا إنَّما يؤكِّد أنَّهما “كون واحد”؛ فـ “الكون” في خاصية جوهرية له هو الشيء الذي لا يؤثِّر، ولا يتأثَّر، أبداً في غيره؛ لأنَّ “زمكانه” في انفصال مُطْلَق عن أيِّ زمكان آخر، على افتراض وجود زمكان آخر.

نحن الآن، وبحسب نظرية “الانفجار الكبير”، نقول إنَّنا في كون عُمْره ما بين 15 و 20 بليون سنة؛ ولكن، ما الذي سيقوله أصحاب تلك النظرية إذا ما استطعنا، بفضل تليسكوب في منتهى التطوُّر أن نرى جسماً كونياً يبعد عنَّا، مثلاً، 30 بليون سنة ضوئية؟

إنَّهم لن يقولوا، عندئذٍ، إنَّ هذا الجسم أقدم وجوداً من كوننا، كما لن يقولوا إنَّ هذا الجسم ينتمي إلى كون آخر (لاستحالة وجود أي نوع من الاتِّصال الفيزيائي بين كوننا وبين هذا الكون الآخر).

ونحن يجب أن نفهم “الجاذبية الكونية” على أنَّها انحناء المكان، أو الفضاء، أو المسارات، الذي لشدَّته يمنع منعاً مُطْلَقاً كل مادة (كل كتلة، كل طاقة، كل جسيم، كل تأثير، أي كل شيء) من “مغادرة” الكون، وكأنَّها في “سجن أبدي”.

إنَّهم سيقولون، عندئذٍ، إنَّ عُمْر كوننا أكبر مِمَّا افترضنا من قبل، وإنَّ “أُفْق كوننا” أوسع مِمَّا افترضنا من قبل، وكأنَّ شعارهم “لا تَدَعْ الحقائق تُفْسِد القصة الجيِّدة”!

و”أُفْق الكون” يشبه “أُفْق الحدث” الخاص بـ “الثقب الأسود” في “استحالة الهروب المادي”، فليس من جسيم، له كتلة، أو عديم الكتلة، يمكنه الإفلات من قبضة الجاذبية القوية للكون، أو لـ “الثقب الأسود”، ومغادرة “أُفْق الكون”، أو “أُفْق الحدث”، إلى خارجهما.

نحن لا يمكننا أبداً معرفة ما يحدث في داخل “الثقب الأسود”؛ لأنْ لا معلومات تخرج منه؛ وسكَّان كون آخر (على افتراض وجوده ووجودهم) لا يمكنهم أبداً إدراك وجود كوننا، أو معرفة ما يحدث في داخله؛ لأنْ لا معلومات تخرج منه إليهم.

و”أُفْق الكون” يختلف عن “أُفق الحدث” الخاص بـ “ثقب أسود” في كونه لا يَحْجِب، أو يُغلِّف، “نقطة عديمة الحجم، مُطْلَقَة الكثافة” تقع في مركزه، وتسمَّى “سينغيولاريتي” Singularity، فلو أنَّ مركبة فضائية آتية من “كون آخر” اجتازت “أُفْق كوننا”، أي دخلت إلى كوننا، فإنَّها لن تُسْحَب إلى نقطة كتلك، فليس لكوننا من “مركز” حتى تُوْجَد فيه نقطة مماثلة لتلك التي في داخل “الثقب الأسود”، فـ “السينغيولاريتي” الخاصة بكوننا إنَّما هي “النقطة”، أو “البيضة الكونية”، التي منها انبثق الكون مع زمكانه إذ وقع “الانفجار الكبير”.

إذا تحرَّكْتَ في الكون، في أي اتِّجاه، وفي أي شكل من الأشكال الهندسية للحركة في المكان، وفي أي سرعة، فإنَّكَ لن تتمكَّن أبداً من مغادرة الكون، فليس من مسارٍ يمكن أن تسير فيه إلى كون آخر، أو إلى فضاء آخر (غير فضاء كوننا).

ليس ممكناً ذلك على افتراض وجود كون آخر، أو فضاء آخر. وبما يشبه ذلك يمكن ويجب أن نفهم مغادرة مادة ما (ولو كانت ضوء) لـ “ثقب أسود”، فهذا الجسم يستقبل ولا يُرْسِل مادة.

ولكن، هل كوننا يفعل الشيء ذاته إذا ما افترضنا وجود مادة في خارجه؟

هل يستقبل ولا يُرْسِل مادة؟

بالنسبة إلى المادة في داخل “الثقب الأسود” ليس من فضاء يمكنها السير فيه إلاَّ الفضاء الذي هو جزء لا يتجزأ من “الثقب الأسود” ذاته، فالفضاء الكوني، أي كل فضاء في خارج “الثقب الأسود”، ليس له من وجود بالنسبة إلى تلك المادة. “الثقب الأسود” إنَّما هو “الكون One Way”.

“البيضة الكونية” و”الثقب الأسود”

أستاذ الفيزياء الشهير جون آرتشيبولد ويلر John Archibald Wheeler يميل إلى فهم “الثقوب السوداء” على أنَّها الظاهرة التي قد نعثر فيها على ما يؤسِّس لتعليل، أو تفسير، مختلف لـ “الانفجار الكبير”؛ ولكنَّ أصحاب نظرية “الانفجار الكبير”، والمدافعين عن أركانها، ينكرون إمكانية أن ينفجر “ثقب أسود” عملاق.

وهذا إنَّما يعني أنَّ تحوُّل الكون إلى “ثقب اسود” في منتهى الضخامة (لجهة كتلته ونصف قطره) بعد، وبسبب، انهياره على نفسه، لن يؤدِّي إلى “الانفجار الكبير” Big Bang.

بعضٌ من أنصار “نظرية الانفجار الكبير”، وفي محاولتهم غير الموفَّقة لإجابة أسئلة كبرى أثارتها تلك النظرية من غير أن تتمكَّن من إجابتها على نحو فيزيائي مُحْكَم ومُقْنِع، افترضوا أنَّ “البيضة الكونية” كانت “ثقباً أسود”، “تبخَّر”، مُنْتِجاً، بالتالي، ما نراه اليوم من مادة وطاقة في كل مكان. لقد تخيَّلوا “الانفجار الكبير” على هيئة “تَبَخٌّرٍ” لـ “ثقب اسود” مُفْرَد، فنَتَج من تبخُّره هذا الوجود للمادة والطاقة، أي الكون الذي نعرف.

كان ممكناً أن تتحوَّل هذه الفرضية، أو هذا التخيُّل، إلى “نظرية جديدة”، متمِّمة لنظرية “الانفجار الكبير”، لولا تناقضها مع “الحسابات الزمنية” لنظرية تبخُّر “الثقوب السوداء” التي أبدعها هوكينغ، فتبخُّر “ثقب اسود”، تتركَّز فيه كل مادة وكتلة وطاقة الكون، يستغرق زمناً، تبيَّن لهم أنَّه يفوق كثيراً العُمْر الذي افترضوه أو قدَّروه، أو حسبوه، للكون.

ثمَّ أنَّ “الثقب الأسود”، وبصرف النظر عن حجمه ووزنه، يتبخَّر في طريقة محدَّدة، أوضحها وشرحها صاحب الفكرة نفسه، أي هوكينغ، إذ قال إنَّ التفاعل بين “الثقب الأسود” وبين جسيمات متضادة “شبحية (طيفية، صورية، غير حقيقية، افتراضية، وهمية)” Virtual Particles تنبثق من “الفضاء الفارِغ” Empty Space الذي في جوار “الثقب”، أو على مقربة منه، هو ما يؤدِّي إلى تبخُّره، الذي يكون سريعاً في الصغير من “الثقوب السوداء”، وبطيئاً في الكبير منها.

وهذا إنَّما يعني، إذا ما أخذنا بفكرة مجيء الكون من تبخُّر “ثقب اسود” مُفْرَد، أنَّ في البدء، أي قبل وجود الكون الذي نعرف، كان ذلك “الثقب”، وكان معه “فضاء فارِغ”، و”جسيمات متضادة شبحية” تنبثق منه.

تقوم نظرية “الثقب الأسود” على فرضيتين: الأولى هي أنَّه يتكوَّن من مادة تبعث ضوءاُ، أي أنَّها مضيئة بطبيعتها، ولكنَّ ضوءها يعجز عجزاً مطلقاً عن مغادرة هذا الجسم الكوني إلى الفضاء الخارجي، فنراه، بالتالي، مُظْلِماً. والثانية هي أنَّ الجاذبية التي في مقدورها منع الضوء من المغادرة، أي احتجازه، يجب أن تكون لكتلة، حجمها صفر، وكثافتها مطلقة.

وكل مقدارٍ من الكتلة يناسبه نصف قطر معيَّن (يسمَّى “نصف قطر شفارز تشايلد The Schwarzschild radius) لتحوُّله إلى “ثقب أسود”. مقدار كتلة الشمس، مثلاً، يناسبه نصف قطر مقداره 3 كيلومتر، من أجل تحوُّل الشمس إلى “ثقب اسود”. وهذا إنَّما يعني أنَّ كل “الثقوب السوداء” متماثلة لجهة “مقدار كثافتها”. وليس من وجود لمادة بين مركز “الثقب الأسود” وسطحه.

ولـ “الثقب الأسود”، ولو كان في حجم الذرَّة، خاصية جوهرية غريبة هي أنَّه يستطيع، من الوجهة النظرية، التهام كل مادة الكون، فإنَّ له “معدة” لا تضيق أبداً بأعظم مقدار من المادة الكونية.

ليس من نجم يستطيع أن يملك من الكتلة أكثر من مقدار معيَّن، فكلَّما كانت كتلته أكبر أسرع في الانهيار. أمَّا “الثقب الأسود” فهو الحلُّ لهذه المشكلة؛ ذلك لأنَّ قدرته (النظرية) على التهام أكبر مقدار من المادة، وعلى التهام كل المادة الكونية، إنَّما هي من أهم خواص “الزمكان” الخاص بهذا الجسم الكوني. وهو كلَّما التهم أكثر، أي كلَّما كَبُر نصف قطره، اشتدت صعوبة “تبخُّره”، فـ “الثقب الأسود” الأصغر، لجهة كتلته، ونصف قطره، هو الأسرع “تبخُّراً.

في “الفضاء الفارِغ” قد يظهر إلكترون مع بوزيترون. كلاهما جسيم “غير حقيقي”؛ ليس له كتلة. إذا ظهرا على مقربة من “أُفْق الحدث” فإنَّ أحدهما قد تسحبه الجاذبية العظمى لـ “الثقب الأسود” حتى عمقه، فَيَفْقِد هذا الجسم الكوني، في اللحظة عينها، مقداراً من طاقته (أي كتلته).

وهذا المقدار المفقود (بالإشعاع) يتحوَّل، على الفور، إلى “كتلة” في الجسيم الآخر، فيغدو “جسيماً حقيقياً”، وكأنَّ هذا “الفضاء الفارِغ” يصنع لـ “الثقب الأسود”، أو لجاذبيته العظمى، “قوالب” لجسيمات حقيقية، فيملأ هذا الجسم تلك القوالب بـ “طاقة”، فـ “تتجمَّد” هذه الطاقة في “القالب”، فيظهر “جسيم حقيقي”.

لقد تحوَّلت “الجاذبية” في “الثقب الأسود”، بسبب نموِّها العظيم هذا، إلى عامِل طَرْدٍ لمحتواه من الطاقة والكتلة؛ وهذا العامِل لا يَظْهَر تأثيره إلاَّ إذا ظهر زوج من الجسيمات المتضادة غير الحقيقية في جوار “أُفْق الحدث”.

و”الثقب الأسود”، على ما اكتشف فلكيون، لا يلتهم مادة فحسب وإنَّما يَلِدْها، فثمَّة نجومٌ تُوْلَد من “ثقب أسود” في مركز مجرَّة درب التبانة، وتَبْعُد عنه سنة ضوئية فحسب.

إنَّ قانون “حفظ المادة” يُخْرَق، في استمرار، في “الفضاء الفارِغ”، أو “الفراغ”؛ ولكن بما لا يُمَكِّن هذا القانون من أن “يحس” بهذا الخرق، فثمَّة “طاقة” في هذا الفضاء. ومن بعضٍ من هذه الطاقة، والذي يُقْتَرَضُ، أو يُسْتعار، من هذا الفضاء، يتكوَّن، مثلاً، إلكترون وبوزيترون، ما أن يظهرا حتى يختفيا من الوجود؛ ذلك لأنَّ هذا القرض من الطاقة يجب أن يُسدَّد على الفور.

هذان الجسيمان المتضادان يظهران ويختفيان في زمن متناهٍ في الصِغَر والضآلة، فيعجز قانون “حفظ المادة” عن الإحساس بهذا الذي حدث. ولولا ظاهرة كونية هي “الثقب الأسود” لَمَا تمكَّن أحد هذين الجسيمين من التحوُّل إلى جسيم حقيقي فعلي. ولولا ظهور هذا النمط من الجسيمات لَمَا حدثت ظاهرة تبخُّر “الثقب الأسود”، وكأنَّهما يظهران لهذه الغاية. وعليه، أستطيع تسمية هذا النمط من الجسيمات “جسيمات الموت” بالنسبة إلى “الثقب الأسود”، أي “جسيمات تبخُّره”.

ثمَّة “شيء” وُجِدَ، أو كان موجوداً، قبل “الانفجار الكبير”. القائلون بنظرية “الانفجار الكبير” يقولون، أيضاً، بـ “الوجود القَبْلي (أي قبل “الانفجار”، وقبل ولادة الكون) لهذا “الشيء”، وبمحتواه من “الكتلة ـ الطاقة”.

وهم ينظرون إلى هذا “الشيء” على أنَّه “الكون الكامن”، أو “الكون على هيئة بيضة”، فيسمونه “البيضة الكونية”، التي منها انبثق الكون إذ وقع “الانفجار الكبير”. ولكنَّهم يحارون، ويختلفون، في ماهيته، فهل ينظرون إليه على أنَّه “ثقب أسود”؟

إنَّ بعضهم يجيب بـ “لا” قاطعة، معتبراً أنَّ النظر إلى “البيضة الكونية” على أنَّها “ثقب أسود” ليس من المنطق في شيء.

تلك “النقطة (أو “البيضة”)” Singularity التي منها انبثق الكون بقوَّة “الانفجار الكبير”، ليست بـ “ثقب أسود”؛ لأنَّ ضآلة “نصف قطرها” لا تتناسب مع عِظَم كتلتها، فكيف لـ “نقطة” تشتمل على كل كتلة الكون أن تكون على هيئة “ثقب أسود” إذا ما كان “نصف قطرها” على هذا القدر من الضآلة والصِغَر؟!

وكيف لنصف قطر الكون، إذا ما كان “ثقباً أسود”، أن يتَّسِع من غير أن تزداد كتلته؟!

يقولون، وبحسب “النسبية العامة” على ما يزعمون، إنَّ الزمن نفسه، والفضاء نفسه، قد خُلِقا بـ “الانفجار الكبير”. عندما وَقَعَ هذا “الانفجار” كانت عقارب ساعة الكون متوقِّفة تماماً عن الحركة، وكان “المكان” في منتهى الضآلة، وكأنَّه غير موجود. ومع تمدُّد الكون، وازدياد وتسارُع تمدُّده شرع الزمان يتقلَّص، أي أنَّ عقارب الساعة الكونية شرعت تتحرَّك، وبسرعة متزايدة. وشرع المكان يتمدَّد.

Sent iPadn Ť€©ћ№©¶@τ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: