أنماط الكون

أنماط الكون

هل الكون يتمدَّد (أي في حالٍ من التمدُّد والتوسُّع)؟ هذا ما عاد بالسؤال الجائز طرحه في المجتمع الكوزمولوجي، فظاهرة “تمدُّد الكون” هي الآن مُثْبَتة مؤكَّدة، وفي منزلة البديهية؛ ولكنَّ السؤال المتفرِّع منها، والذي مازلنا في حاجة ماسَّة إلى إجابته، إجابة قاطعة حاسمة، هو “هل الكون مفتوح Open أم مُغْلَق Closed؟”.

“الكون المفتوح” Open Universe هو الكون الذي يستمر في التمدُّد إلى الأبد؛ أمّا “الكون المُغْلَق” Closed Universe فهو الكون الذي ما أن يصل في تمدُّده إلى حدٍّ معيَّن حتى يشرع ينكمش ويتقلَّص مرَّة أخرى.

و”الكون المُغْلَق” هو الذي فيه من “الكتلة” ما يكفي لجعل الفضاء ينحني ويتقوَّس على ذاته، وكأنَّه سِلْك ثَنَيْناهُ حتى اتَّصَل طرفاه، أي أصبح على شكل دائرة.

إذا كانت كثافة المادة في الكون، أو كثافة مادة الكون، عالية فلا بدَّ للكون من أن يكون مُغْلَقاً، محدوداً، مُقوَّساً (أو منحنياً) تقوُّساً إيجابياً؛ ولا بدَّ له، بالتالي، وفي آخر المطاف، من أن ينهار على نفسه.

أمَّا إذا كانت كثافة مادته منخفضة فلا بدَّ له من أن يكون مفتوحاً، غير محدود، مُقوَّساً تقوُّساً سلبياً، أي يشبه “سطح السَرْج” في شكله الهندسي، فيستمر في التمدُّد إلى ما لا نهاية.

في نمطه “المفتوح”، يستمر الكون في التمدُّد إلى الأبد.. إلى ما لا نهاية، في الزمان. وفي ما عدا هذا النمط من الكون، يتوقَّف، أي يجب أن يتوقَّف، أخيراً، “التمدُّد الكوني”؛ ولكنَّ توقُّفه إمَّا أن يحدث في “زمن محدود”، أي عند نقطة زمنية معيَّنة، وإمَّا أن يحدث في “زمن لا محدود”.

إذا حدث في “زمن محدود” فلا بدَّ، عندئذٍ، للكون من أن ينهار على نفسه، وكأنَّه كرة، قُذِفَت في الهواء إلى أعلى فأسْقَطَتْها الجاذبية الأرضية، بعد حين، إلى سطح الأرض؛ وهذا إنَّما هو نمط “الكون المُغْلَق”، أو “الكون الكروي”.

هذا الكون يَعْكِس، حتماً، تمدُّده، أي ينتقل إلى “الانكماش”، أو “التقلُّص”، منهاراً على نفسه في “انسحاق كبير” Big Crunch، وصولاً إلى “بيضة كونية” جديدة Singularity.

إنَّ “مجموعات (أو عناقيد) المجرَّات” تبلغ الحد الأقصى من انفصالها عن بعضها بعضاً، ثمَّ تزداد تقارباً، ثمَّ تنهار على بعضها بعضاً؛ أمَّا درجة حرارة الكون فتستمر في الارتفاع أكثر فأكثر.

وعلى مقربة من لحظة “الانسحاق الكبير”، تتمزَّق الذرَّات، فيتحوَّل الكون كله إلى بحر من الطاقة والجسيمات دون الذرِّية.

وفي “الانسحاق الكبير”، تُسْحَق المادة، والطاقة، والفضاء، والمكان، والزمان، فتَخْرُج جميعاً، على ما يزعمون، من الوجود.

هل بقي من شيء؟!

وماذا يبقى إذا ما ترتَّب على “الانسحاق الكبير” إلغاء وجود المادة، والطاقة، والفضاء، والمكان، والزمان؟!

لنفتَرِض أنَّ أقرب عنقود من المجرَّات يبعد عن عنقود المجرَّات الذي تنتمي إليه مجرَّتنا 1000 سنة ضوئية، وأننا نرى ضوءه، في استمرار، باللون الأحمر. ولنفتَرِض أننا الآن نرى ضوءه باللون الأزرق أو البنفسجي.

إذا حدث ذلك فهذا إنَّما يعني، ويجب أن يعني، أنَّ الكون قد شرع ينكمش منذ 1000 سنة أرضية.

“الكون المُغْلَق”، وفي معنى من معانيه، إنَّما هو الكون الذي إذا سِرْتَ فيه في خطٍّ مستقيم (من وجهة نظركَ) وفي الاتجاه ذاته فلا مهرب لكَ من العودة إلى النقطة التي منها انْطَلَقْت.

أمَّا “الكون المفتوح” فهو المضاد، في هذا المعنى، لـ “الكون المُغْلَق”، فإذا أنتَ سِرْت في “الكون المفتوح”، على ذاك النحو، فإنَّكَ لن تعود أبداً إلى نقطة الانطلاق.

إنَّكَ لن تسير أبداً بسرعة تَعْدِل، أو تفوق، سرعة الضوء؛ وإذا كان كوننا “مُغْلقاً”، وإذا كان “متمدِّداً”، فإنَّ سَيْركَ في الفضاء هو سَيْرٌ في “فضاء متمدِّد متَّسِع في استمرار”، وكأنَّكَ تسير في طريق كلَّما تقدَّمْتَ في سَيْرِكَ فيها استطالت واتَّسَعَت.

وإذا ما حدث توقُّف “التمدُّد الكوني” في “زمن لا محدود” فهذا إنَّما يعني أنَّ الكون من النمط “المنبسط (أو المستوي)”، وكأنَّه على “حافَّة السِّكِّين” بين “الكون المفتوح” و”الكون المُغْلَق”. هذا الكون يظل يتمدَّد، متباطئاً في تمدُّده أكثر فأكثر، حتى يتوقَّف عن التمدُّد؛ ولكن في “زمن لا محدود”.

وفي “الكون المفتوح (وربَّما في “المنبسط” أيضاً)”، تسود، في آخر المطاف”، “الثقوب السوداء”؛ ولكن إلى حين، فمصيرها النهائي إنَّما هو “التبخُّر”، المتفاوِت سرعةً ومعدَّلاً بتفاوت كُتَلِها.

والكون الذي “تبخَّر” ما فيه من “الثقوب السوداء” يصبح بحراً واسعاً (مُظْلِماً) من الإلكترونات، والبوزيترونات، والفوتونات، والنيوترينوات.

“النار” هي نهاية الكون إذا ما انهار (أو إذا ما انهار مرَّة أُخرى) على نفسه؛ و”الجليد” هي نهايته إذا لم يَنْهَر. و”النهاية الجليدية” إنَّما تعني أن يبقى من الكون فضاء فارغ أبدي، يشتمل على قليل من الإلكترونات، والنيوترينوات، والفوتونات، ومن أضداد تلك الجسيمات.

ويُنْظَر إلى المقدار الكلِّي لـ “المادة الداكنة” في الكون، وبكل أشكالها وصورها، على أنَّه العامل المحدِّد والمقرِّر لمصير الكون.

تخيَّل أنَّكَ تقف على سطح كوكب (آخر). أمْسَكْتَ بحجرٍ، وقذفته بكلِّ قوَّتِكَ إلى أعلى. ها هو الحجر يرتفع الآن. وفي أثناء ارتفاعه، تتساءل عن “النتيجة النهائية”.

هل يستمر الحجر في الارتفاع؟

هل يسقط إلى سطح هذا الكوكب؟

للإجابة لا بدَّ لكَ من معرفة كتلة هذا الكوكب. الحجر يرتفع بما يجعلكَ تعتقد أنَّ كتلة هذا الكوكب يجب أن تَعْدِل كتلة كوكب الأرض حتى يسقط الحجر إلى سطحه.

ولكن، ما تراه حتى الآن من كتلة هذا الكوكب لا يكفي لتتوقَّع سقوط هذا الحجر إلى سطحه، فما تراه من هذه الكتلة إنَّما يَعْدِل فحسب كتلة القمر؛ وهذه الكتلة ليست بكافية لوقف ارتفاع الحجر.

إنَّكَ الآن تبحث في داخل هذا الكوكب عن كتلة لم ترها بَعْد، أو غير مرئية، لعلَّ بحثكَ ينتهي إلى نتيجة مؤدَّاها أنَّ كتلة هذا الكوكب تَعْدِل كتلة كوكب الأرض، وفي مقدورها، بالتالي، أن تُوْقِف ارتفاع الحجر، وتُسْقِطه إلى سطح هذا الكوكب.

القول بأنَّ الكون سيظل يتمدد إلى الأبد يعني أنَّ للكون خالق؛ لأنَّه يعني أنَّ “النقطة” التي انطلق منها الانفجار الكوني لم تأتِ إلى حيِّز الوجود من انكماش كوني سابق؛ لأنَّها لو أتت من انكماش كوني كهذا لكانت كتلة الكون الحالية كافية لوقف تمدده، ولتحويله من ثم إلى تقلص، فليس من المنطق الفيزيائي بشيء القول بتبدل مقدار الكتلة الكونية، التي نعني بها، في هذا السياق، كمية المادة .

“الكون الدوري المُغْلَق (= الدورة الكونية)” Closed Cycling Universe هو الفرضية (أو التصوُّر) الكوزمولوجية التي تسمح لنا باجتناب كثير من المشكلات التي تثيرها “البيضة الكونية” في نظرية “الانفجار الكبير”، وفي مقدَّمها مشكلة نشوء، أو انبثاق، الكون من “لا شيء”، فالكون، بحسب فرضية “الكون الدوري المُغْلَق”، إنَّما جاء من بقايا “كون سابق”. لقد انكمش الكون السابق، وانهار على نفسه، فوقع “الانفجار الكبير”.

وعليه، ما عاد “الانفجار الكبير” التوأم النظري لفرضية الـ “سينغيولاريتي”، مع ما تثيره من مشكلات، فهو، وبحسب فرضية “الكون الدوري المُغْلَق”، ليس سوى “انفجار كون منهار على نفسه”.

الكون، أو كوننا، هو “المادة” في صورتيها، أو هيئتيها، وهما: “الكتلة” Mass و”الطاقة” Energy. والكون، بعضه مضيء منير، وبعضه مُظْلِم داكن؛ بعضه مرئي، وبعضه غير مرئي.

علماء الفلك، ولرغبتهم في معرفة مصير ومستقبل كوننا، يتوفَّرون على حساب “كتلة الكون”، فسؤال “ما هو مقدار كتلة الكون؟” يستبدُّ بتفكيرهم.

ولقد زعم بعضهم أنَّه أنجز المهمَّة، أي عَرَف كم في الكون المرئي من “كتلة”. أمَّا الطريقة التي اتَّبعها توصُّلاً إلى حساب كتلة الكون فلا يقرها ويأخذ بها إلاَّ كل من شوَّهت وأفسدت تفكيره الفيزيائي والكوزمولوجي نظرية “الانفجار الكبير”.

بحسب هذه الطريقة، ينبغي لنا أن نعرف أوَّلاً عدد المجرَّات في الكون، أو في كوننا المرئي، وأن نعرف، من ثمَّ، كتلة المجرَّة الواحدة في المتوسِّط. لو كان الكون من خمس مجرَّات، ولو كانت كتلة المجرَّة الواحدة في المتوسِّط 1000 طن، لتوصَّلْنا إلى أنَّ مقدار كتلة الكون 5000 طن.

ولكن، أليس من الهُزْء بالعقول أن نَزْعُم أنَّنا نعرف عدد مجرَّات الكون، وكتلة المجرَّة الواحدة في المتوسِّط، فأصبح ممكناً، بالتالي، أن نعرف مقدار كتلة الكون المرئي؟!

لقد أخبرتهم نظرية “الانفجار الكبير” بـ “الحجم” الذي بلغه الكون الآن، فأخذوا جزءاً من أجزائه العشرة، أو الألف، وأحصوا المجرَّات (أو عددها) فيه، ثمَّ حسبوا كتلة المجرَّة الواحدة في المتوسِّط، فتوصَّلوا، بالتالي، ولو على نحو تقريبي، إلى معرفة مقدار كتلة الكون (المرئي).

خللهم الأعظم إنَّما يكمن في كونهم اتَّخَذوا ممَّا هو في حاجة إلى إثبات “مسلَّمةً”، فـ “حجم (أو عُمْر)” الكون الذي اتَّخذوه “مسلَّمة” هو ما يفتقر إلى الدليل والإثبات.

وبعدما أنجزوا مهمَّة حساب كتلة الكون توصَّلوا إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّها لا تكفي لجعل الكون “مُغْلَقاً”، أي لا تكفي لجعل كوننا المتمدِّد ينكمش ويتقلَّص، منتهياً إلى “بيضة كونية” جديدة، عَبْر “انسحاق عظيم” Big Crunch.

في سعيهم إلى معرفة مصير أو مستقبل الكون، رأيْناهم يتوفَّرون، تارةً، على حساب “كتلة الكون”، وطوراً على حساب “كثافته”، أو “كثافة كتلته”. ولم يكن بالأمر المستعصي أن يحسبوا “الكثافة” بعدما عرفوا مقدار كتلة الكون وحجمه؛ ولكن أين هو المنطق في أن تحسب كثافة الكتلة في كون يتمدَّد (أي يَكْبُر حجماً) في استمرار، ويتسارَع تمدُّداً؟!

وأين هو المنطق في أن تحسب “الكتلة”، أو “الكثافة”، إذا ما كنتَ مؤمناً بأنَّ “المادة المُظْلِمة (الداكنة، غير المرئية)” هي معظم مادة الكون؟!

بل أين هو المنطق في أن تسعى إلى معرفة مصير أو مستقبل الكون ضارباً صفحاً عن حقيقة أنَّ مادة الكون، في معظمها، ليست على هيئة “كتلة”، وإنَّما على هيئة “طاقة”؟!

إنَّ من أعظم الألغاز المحيِّرة للألباب، في مجتمع علماء الفلك، أنْ يُعْرَف مِمَّ يتكوَّن الجزء الأعظم من كتلة الكون، فما بين 90 في المائة و 99 في المائة من “الكتلة” في الكون ما زال مجهولاً تماماً لدى علماء الفلك.

كل مجرَّة، وكل مجموعة من المجرَّات، تبدو لعلماء الفلك “أثقل”، أو تملك مقداراً أكبر من قوَّة الجذب (أو التجاذب) الداخلي، فبعض الظواهر في المجرَّة، أو في مجموعة المجرَّات، لا يمكن تفسيرها استناداً إلى “الكتلة الظاهرة (أو المرئية)”، أي إلى مقدار الكتلة المتأتي من جَمْع كل كُتَل النجوم وسُحُب الغاز التي تتألَّف منها المجرَّة مثلاً. وهذا التناقض هو ما حَمَل علماء الفلك على التفكير في احتمال وجود مقدار آخر من الكتلة التي لا يستطيعون رؤيتها أو ملاحظتها.

لقد وُجِدَ أنَّ النجم في مجرَّة ما يدور في مداره بسرعة تفوق كثيراً السرعة المتوقَّعة أو المُفْتَرَضة، أي السرعة المتناسِبة مع مقدار أو حجم الكتلة المرئية أو الظاهرة للمجرَّة. وسرعة دوران النجم إنَّما تعكس قوَّة الجاذبية في داخل المجرَّة، فكلَّما زادت كتلة المجرَّة زادت جاذبيتها الداخلية، التي كلَّما زادت، أو كلَّما كانت قوية وشديدة، أصبح ممكناً أن يدور النجم بسرعة أعلى من غير أن ينفصل عن مجرَّته، ويذهب بعيداً في الفضاء.

إنَّ كوكب عطارد، مثلاً، وهو الكوكب الأقرب إلى الشمس، والأسرع من سائر كواكب النظام الشمسي في دورانه حَوْل الشمس، لا يمكنه أن يدور بالسرعة نفسها حَوْلَ نحم أصغر كتلة من الشمس من غير أن ينفصل نهائياً عنه، وينطلق بعيداً في الفضاء الكوني.

من تلك السرعة العالية (أو الأعلى من المتوقَّع والمُفْتَرَض) التي يدور فيها النجم (كل نجم) حَوْل مركز مجرَّته، اسْتَنْتَج علماء الفلك وجود، أو وجوب وجود، جاذبية داخلية للمجرَّة أقوى بكثير من التي يشير إليها المقدار المرئي أو الظاهر من كتلة المجرَّة.

وهذا الاستنتاج قادهم، بالضرورة، إلى استنتاج آخر مؤدَّاه وجوب وجود كتلة للمجرَّة أكبر بكثير من كتلتها المرئية أو الظاهرة. وقد سمُّوا هذه الكتلة الإضافية المُفْتَرَضة “الكتلة المُظْلِمة (أو الداكنة)”؛ لكونها خفية غير ظاهرة، لا ترى مباشَرةً (بوسائل وأدوات المراقبة والملاحظة التي نملك الآن).

هذا الافتراض كان لا بدَّ منه لتفسير وتعليل تلك الظاهرة، أي ظاهرة بقاء (أو عدم انفصال) النجوم وسُحُب الغاز على الرغم من السرعة العالية التي تدور فيها حَوْل مركز مجرَّتها.

وَوُجِد أيضاً أنَّ المجرَّة (في مجموعة من المجرَّات) تدور في مدارها بسرعة لا تتناسب مع الكتلة المرئية والظاهرة لمجموعتها، أي أنَّها تزيد كثيراً عمَّا يجب أن تكون عليه لو أنَّ كتلة مجموعتها تَعْدِل فحسب المرئي والظاهر منها.

والمجرَّة، ومهما كانت سرعتها عالية، يكفي أن تظل تدور في مدارها حتى نستنتج أنَّ سرعة دورانها ما زالت دون سرعة الإفلات من قبضة الجاذبية لـ “مجموعة المجرَّات” التي تنتمي إليها.

ولو أنَّ سرعة دوران الأرض (على سبيل المثال) حَوْل الشمس ازدادت (لسبب ما) متجاوزةً سرعة الإفلات من قبضة الجاذبية الشمسية (التي تتناسب مع كتلة الشمس) لانفصلت عن النظام الشمسي، وذهبت بعيداً في الفضاء.

إنَّ مزيداً من “الكتلة” في “عنقود المجرًَّات” يُنْتِجُ، حتماً، مزيداً من “الشدِّ الجاذبيِّ” الذي تتعرَّض له كل مجرَّة (في العنقود). وإنَّ مزيداً من هذا وذاك يُنْتِج، حتماً، مزيداً من “تسارُع” كل مجرَّة، أي يُنْتِج زيادةً في سرعة دوران كل مجرَّة حَوْل مركز “عنقود المجرَّات”.

والحركة المدارية للجسم الكوني (أي دورانه حَوْل جسم كوني آخر أعظم منه كتلةً كدوران الأرض حَوْل الشمس) إنَّما هي، بحسب نظرية “النسبية العامة” لآينشتاين، مَظْهَر لانحناء وتقوُّس الفضاء (المكان) الذي فيه يتحرَّك هذا الجسم وينتقل. والسرعة التي يدور فيها الجسم الكوني إنَّما تتناسب مع كتلة وجاذبية المركز (= جسم كوني آخر أضخم) الذي يدور حَوْلَه.

دوران النجم حَوْل مركز مجرَّته، والمجرَّة حَوْل مركز مجموعتها، أو عنقودها، بسرعة تزيد، وتزيد كثيراً، عن السرعة التي تسمح بها الكتلة المرئية (للمجرة وللعنقود) هو ما حَمَلَ علماء الفلك على افتراض وجود “الكتلة (أو المادة) الداكنة”، التي لم يتوصَّلوا بَعْد إلى حساب مقدارها الكوني، وإنْ افترضوا، أو توقَّعوا، أنَّها تؤلِّف معظم مادة الكون.

في بعضٍ من المجرَّات الكبيرة، لوحِظَ ظاهرة لا يمكن تفسيرها إلاَّ بوجود “ثقوب سوداء” في مراكز هذه المجرَّات، فالنجوم في كل مجرَّة من هذه المجرَّات تتحرَّك وتنتقل بسرعة كبيرة جداً نِسْبَةً إلى مقدار الكتلة الظاهرة، أو المرئية، للمجرَّة. لقد لوحِظَ أنَّ النجوم الخارجية للمجرَّة تدور بسرعة أكبر من تلك التي يجب أن تدور بها، إذا ما قارنَّا سرعتها بكمية المادة المرئية في المجرَّة.

ولولا وجود مقدار آخر غير مرئي من الكتلة لترتَّب على هذه الحركة السريعة جدَّاً للنجوم انفصالها عن مجرَّتها، والانطلاق بعيداً في الفضاء. إنَّ هذا الانفصال لم يحدث، ولا يحدث؛ أمَّا ما يمنع حدوثه، أي ما يُمسِك بالنجوم، ويبقيها ضمن مجرَّتها على الرغم من سرعتها الهائلة نسبياً، فهو، على ما افترضوا، بدايةً، وجود “ثقب أسود” في مركز، أو باطن، المجرَّة.

ومع إجراء الفلكيين لحسابات معيَّنة توصَّلوا إلى أنَّ هذا “الجسم الافتراضي”، المستَتِر في مركز المجرَّة، هائل الكتلة؛ ولكن حجمه في منتهى الضآلة مقارنةً بعِظَم كتلته، ولا بدَّ، بالتالي، من أن يكون، بحسب استنتاجهم، “ثقباً أسود” ضخم جداً، يقبع في مركز المجرَّة.

المادة الداكنة Dark Matter

بـ “ميزان الحركة” نَزِن الأجسام الكونية من مجرَّات ونجوم وكواكب..، أي نَعْرِف ونَحْسِب كُتَلِها.

ونحن، في النظام الشمسي، نستعمل سرعة دوران الأرض حَوْل الشمس ميزاناً نَزِن به الشمس، أي نقيس كتلتها.

إنَّ الأرض تدور حَوْل نجمنا هذا بسرعة 30 كيلومتر في الثانية الواحدة؛ فلو أنَّ كتلة الشمس أكبر أربع مرَّات لوَجَبَ على الأرض أن تدور حَوْل الشمس بسرعة 60 كيلومتر في الثانية الواحدة حتى تبقى في مدارها ذاته.

والشمس تدور حَوْل مركز مجرِّتنا بسرعة 225 كيلومتر في الثانية الواحدة. ونحن نستعمل هذه السرعة، وسرعات النجوم الأخرى، لقياس كتلة مجرَّتنا. إنَّكَ كلَّما اقتربتَ من “المركز” تسارَعْت، وكلَّما ابتعدتَ عنه تباطأْت.

ومع حساب سرعة دوران الشمس مثلاً، والظاهر، أو المرئي، من كتلة مجرَّتنا، توصَّل علماء الفلك إلى استنتاج مؤدَّاه أن لا تناسب بين سرعة الشمس وكتلة المجرَّة، فهذه الكتلة (أي كتلة كل نجوم وسُحُب الغاز والغبار في مجرِّتنا) يجب أن تكون أكبر بنحو عشر مرَّات تقريباً حتى يحدث هذا التناسب.

وهذا الاستنتاج قادهم إلى افتراض وجود مقدار هائل من الكتلة غير المرئية (الداكنة أو المظلمة) في مجرَّتنا.

أمَّا مجموعة المجرَّات (عنقود المجرَّات) فيجب أن تكون كتلتها أكبر بنحو خمس مرَّات من كتلتها الظاهرة، أي من الكتلة المرئية لكل ما فيها من نجوم وغاز وغبار.

وهذا إنَّما يشبه أن ترى صاروخاً ينطلق من سطح الأرض نحو الفضاء الخارجي بسرعة 100 كيلومتر في الثانية الواحدة؛ ولكن من غير أن يتمكَّن من الإفلات من قبضة الجاذبية الأرضية، فيسقط إلى سطح الأرض.

عندما ترى ذلك لن تَجِد مفرَّاً من أن تقول مُسْتَنْتِجاً إنَّ كتلة الأرض أكبر بكثير ممَّا اعتقدتَ من قبل؛ لأنَّ سرعة الإفلات من جاذبيتها (والتي هي نحو 11 كيلومتر في الثانية الواحدة) يجب أن تكون أكبر من 100 كيلومتر في الثانية الواحدة. والقمر يجب أن يضاعف سرعة دورانه حَوْل الأرض إذا ما أراد الإفلات من جاذبيتها، أي من جاذبية مداره حولها.

جسيم النيوترينو Neutrino يمكن، إذا ما ثَبُت وجود كتلة له، أن يضيف مقداراً هائلاً من الكتلة إلى المادة الكونية الداكنة، أو المُظْلِمة، فهناك نحو بليون نيوترينو في مقابل كل بروتون أو إلكترون. وهناك من الفيزيائيين من يعتقد بوجود كمية من النيوترينوات في الكون تَعْدِل، تقريباً، كمية الفوتونات.

إنَّ أحداً لا يعلم حتى الآن على وجه اليقين ما إذا كان هذا الجسيم يملك كتلة؛ ولكن ثمَّة تجارب واختبارات تشير إلى أنَّ للنيوترينو كتلة في منتهى الصِغَر والضآلة، تقلُّ عن كتلة البروتون بملايين المرَّات. ويبدو أنَّ هذا الجسيم يتحرَّك وينتقل بسرعة قريبة من سرعة الضوء، فأيُّ جسيم يملك ولو مقداراً متناهياً في الصِغَر من الكتلة لا يمكنه أبداً أن يسير بسرعة تعدل سرعة الضوء.

إذا وجُِدَت في الكون كمية كبيرة من “المادة الداكنة” فلن تكون على هيئة المادة التي نَعْرِف، أي لن تكون مؤلَّفة من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات، فالنيوترينو قد يكون هو مُكوِّنها الأساسي.

ولكن ما الذي يَعْنونه بـ “المادة” عندما يتحدَّثون عن “المادة الداكنة” Dark Matter؟

إنَّهم، وعلى ما يتَّضِح من كثير من آرائهم وأبحاثهم، يَعْنون بها فحسب “المادة ذات الكتلة”، فـ “الطاقة”، التي هي الوجه الآخر لـ “المادة”، مستثناة من بحثهم وتفكيرهم واهتمامهم.

وهذا ما نراه واضحاً جلياً في بحثهم عمَّا إذا كان جسيم النيوترينو من “المادة ذات الكتلة”، كالإلكترون، فالفيزيائيون، ومنذ زمن طويل، يَنْظُرون إلى النيوترينو على أنَّه جسيم عديم الكتلة. وبناءً على ذلك، رفضوا إضافة “مادة النيوترينو” إلى “المادة الداكنة”.

واليوم، ثمَّة فيزيائيون يميلون إلى الاعتقاد بأنَّ لجسيم النيوترينو كتلة؛ فإذا صحَّ اعتقادهم فإنَّ كتلة هذا الجسيم ستكون أقل بنحو 500 مليون مرَّة من كتلة البروتون. على أنَّ وجود النيوترينو بكميات وفيرة في الكون يجعله جزءاً مهمَّاً من كتلة “المادة الداكنة”.

في سعيهم إلى إجابة سؤال “هل الكون مغلق أم مفتوح؟”، يحسبون، فحسب، “المادة التي لا يمكنها أبداً أن تسير بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية”، فـ “مقدارها” هو، على ما يبدو، الذي سيحدِّد شكل ومصير الكون (مغلق أم مفتوح).

والدليل على ذلك هو أنَّهم يقولون إنَّ مقداراً كبيراً من الكتلة سيُضاف (في حسابهم) إلى كتلة الكون إذا ما كان لجسيم النيوترينو كتلة، ولو متناهية في الصِغَر.

إنَّهم يقولون إنَّ “المرئي” من تلك المادة (أو الكتلة) ليس سوى نسبة ضئيلة جدَّاً من كتلة الكون، فما يزيد عن 90 في المائة من كتلة الكون هو “مادة داكنة (أو مظلمة)”؛ ولكنَّهم يريدون جواباً عن السؤال الآتي: “ما هي نسبة المادة التي لا يمكنها السير بسرعة الضوء من المادة الداكنة؟”. وإنِّي لأسأل عن السبب الذي يجعلهم يستثنون “المادة التي تسير بسرعة الضوء (الطاقة)” من هذا العامِل المقرِّر لشكل ومصير الكون.

وإنِّي لأسأل أيضاً السؤال الآتي: “إذا افترضنا أنَّ كل، أو معظم، المادة الداكنة هو من نوع المادة التي لا يمكنها السير بسرعة الضوء، فهل في مقدورنا، عندئذٍ، أن نتوصَّل إلى معرفة شكل ومصير الكون؟”.

إنَّ كل الكون، “تقريباً”، يتألَّف من “الطاقة”. ومع تحوُّل جزء كبير من كُتَل النجوم إلى طاقة تزداد أكثر، فأكثر، كمية الطاقة الكونية؛ فلماذا يضربون صفحاً عن هذه الحقيقة في أثناء سعيهم إلى اكتشاف ومعرفة “الكتلة (أو المادة) المظلمة”، وإلى معرفة المصير النهائي للكون؟!

Sent iPadn Ť€©ћ№©¶@τ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: